من عجائب الزمن اللبناني الكئيب ان يطل “حزب الله” بخطاب ينطوي على اتهامات وتهديدات فيطلق اوصافاً شتى منها ما طاول المدير العام السابق لقوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي بالقول انه زعيم “ميليشيا”. واذا كانت كلمة “ميليشيا” تعني فئة تمتلك سلاحا خارج الدولة فإنها تنطبق تماما على “حزب الله” الذي يمتلك ترسانة تتجاوز في نوعيتها وكميتها ترسانة الدولة نفسها، حتى يحار المرء ما اذا كان “حزب الله” ضمن لبنان أم ان لبنان ضمن دولة “حزب الله”. ولا يهم هنا ان يصف هذا الحزب نفسه بأنه “مقاومة” فهو اولا وأخيرا فئة مسلحة تقاتل حاليا في سوريا دعما للنظام هناك وتقتل هنا كما فعلت في 7 أيار 2008 يومها “المجيد” على حد تعبير الامين العام للحزب حسن نصرالله. في المقابل، اذا كان هناك من رجل يوصف بأنه رجل دولة، ومثله قلة في دولة لبنان،فهو اللواء ريفي الذي كان من حسن طالع لبنان في تاريخه الجديد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ان يكون قائدا لمؤسسة امنية وضعت المدماك الاول على طريق الخروج من الوصاية السورية التي منعت لبنان من ان يكون ولفترة طويلة دولة ذات سيادة. وتكفي هنا مقارنة بسيطة بين خطاب رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد الاخير وبين رد ريفي عليه ليتبين الخط الفاصل بين الميليشيا والدولة والذي رسمه رعد بنفسه عندما اطلق عبارة “سنقطع يده” في معرض تهديده لكل خصم للحزب. ألا يستحق مطلق هذا التهديد لقب “أبو سيّاف” بدلا من لقب “صاحب السعادة”؟
للمفارقة ان لغة حزب “أبو سيّاف” الذي يتباهى نصرالله بأنه جندي في حزب وليّ الفقيه الايراني تتصاعد في زمن اللغة الناعمة التي صارت من الادبيات اليومية التي تعتمدها ادارة الرئيس الايراني حسن روحاني في تعاملها مع الغرب عموما والولايات المتحدة الاميركية. التحليلات كثيرة للغة “حزب الله” “الخشنة” ومنها ان قادة الحزب لا يتابعون بارتياح مذكرة الجلب بحق رئيس الحزب العربي الديموقراطي علي عيد بسبب اتهام افراد من هذا الحزب بتدبير تفجير المسجدين في طرابلس في آب الماضي. في وقت ستنطلق بعد شهرين اعمال المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي لمحاكمة المتهمين بانفجار بيروت في 14 شباط 2005.
وللمفارقة أيضا، أن ريفي هو صاحب الفضل على نصرالله شخصيا بكشفه خلية الموساد في عقر داره فيما كان رفيق الحريري صاحب الفضل على “حزب الله” بـ”تفاهم نيسان” عام 1996 الذي شرّع دوليا المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي. واذا كان من عبرة فهي أن جزاء الكرم على هذا القوم هو التمرد وعبثا انتظار العرفان بالجميل لديه. ربما لرعد وأخوانه الحق بالصراخ من الآن وحتى 13 كانون الثاني المقبل موعد انطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حيث سيحاكم متهمو الحزب بجريمة اغتيال رفيق الحريري غيابيا. وبعد هذا التاريخ عليهم التزام الصمت كي لا يستخدم صراخهم ضدهم.