“تأمل هنالك أنى حصدت
رؤوس الورى وزهور الأمل
ورويت بالدم قلب التراب
وأشربته الدمع حتى ثمل
سيجرفك السيل، سيل الدماء
ويأكلك العاصف المشتعل”
(أبو القاسم الشابي)
وقد يحاول حامل الفكر اليقيني أحياناً استخدام وقائع مثبتة علمياً من شأنها نقض فكرة مؤكداً أنها “على العكس” تدعم يقينه!ويلجأ العقل اليقيني إلى التصنيف لتسهيل خياراته وحصرها بين نقيضين لا وسطية بينهما. وغالباً ما تكون التصنيفات تعتمد على التبسيط والخلو من المنطق العلمي والموضوعي. وتشمل الأفكار اليقينية مروحة واسعة من الأديان والعقائد والأفكار السياسية والقومية والعنصرية من يمين ويسار وهي تشكل بالإجمال النقيض للفكر التحرري والتنويري والحواري.
عند الإنسان صاحب الفكر اليقيني تصبح التصنيفات إما أبيض أو أسود ويختفي قوس قزح، وإما عدو أو صديق، وإما تابع أو عميل، وإما مؤمن أو كافر. وفي كثير من الأحيان قد تتمدد التصنيفات لتصبح إما بشر أو حيوانات، وإما يستحقون الحياة أو أنهم محللون للقتل.
قد يخال البعض أن هذا الكلام مجرد نظرية، ولكن تجربة من عاد من سجن اليقينية وأنقذ عقله قبل فوات الأوان تؤكد ذلك. ففي سنوات المراهقة والشباب كنا نصنف البشر والحجر والدول والأحزاب، وحتى الجمعيات الاجتماعية في صنفين فقط. من ضمن التثقيف الحزبي أذكر كتيباً غلافه أحمر عنوانه “مَن هم أصدقاؤنا ومن هم أعداؤنا؟”. كانت لائحة الأصدقاء تضم طبقة العمال والفلاحين والحركات الثوروية والديموقراطيات الاشتراكية والاتحاد السوفياتي العظيم، كما كانت هناك تسمية خاصة تضم الديكتاتوريات العسكرية العربية هي “الدول ذات التحول غير الرأسمالي؟!”.
لائحة الأعداء بسيطة فهي تضم الرأسماليين والبرجوازيين والمنظومات ذات الطابع الديني والدول الرجعية وخاصة الدول النفطية وديكتاتوريات أميركا اللاتينية وطبعاً الدول الرأسمالية وأميركا وصنيعتها إسرائيل.
كان هناك تصنيف ملتبس واحد هو “البرجوازية الوطنية” وهي تعني الرأسمالية غير المرتبطة بالإمبريالية؟! ولها ظروف تخفيفية موقتة.
ببساطة، فإن العقل اليقيني يشبه الحائط، وأظرف تشبيه أطلقه وليد جنبلاط يوماً على محمد رعد بأنه يشبه “الحيط” والواقع هو أن معظم من يتنطحون للحديث باسم حزب الله يمكن جمعهم لبناء حائط عملاق أين منه حائط برلين في المبنى والمعنى.
يقينية محمد رعد وحزبه تصنّف الناس بشكل أبسط ما يكون، التصنيف الأساسي هو: إما من أشرف الناس وأعز الناس الموعودين بالجنّة، وهم الأخيار المؤمنون بوكالة الولي الفقيه المطلقة وغير المنقوصة عن مالك الزمان.
أما “الأغيار” فهم إما جَهَلَة أو كفار ويشبهون ما يعبر عنه اليهود عن غير اليهود وهم “الغويم” أي صنف أدنى من البشر أو أعلى من البهائم!
أما التصنيف الأوسع، وهو بالطبع موقت، فهو كما يلي قائمة الوطنيين وتشمل كل الطوائف والملل والشعوب والدول الصديقة لإيران الولي الفقيه، وكل القوى والدول الواقعة تحت هيمنة الولي الفقيه، وكل من يعلن تأييده لـ”حزب الله” مهما طغى وتجبّر ومهما قتل وأجرم وأعلن تسليمه لمرجعية وعبقرية حسن نصر الله.
وكل من كان غير ذلك فهو من العملاء أعداء المقاومة وحلفاء إسرائيل.
فإلى الحائط الذي نطق حقده وأطلق تهديداته لنا منذ أيام: “نهاية مشروعك الحاقد الأسود هي قاب قوسين، فلا تتعبن نفسك بالصراخ والعويل ولا بالتهديد والتهويل فقد سبقك إلى ذلك حسن نصر الله في مناسبات عدة، وطال إرهاب حزبك الغادر العشرات منا ولم نخف ولم نتراجع ولم نتعب ولم ننهزم! عد إلى رشدك إن بقي لك منه شيء، أم أن اليقينية أعمت بصيرتك؟”.
() عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل”