منذ مقتل الحسين، يعيش الشيعة حالة عقدة ذنب وجلد الذات، يتجلى ذلك في احتفالات عاشوراء، إذ في اعتقادهم أنه حصل تقصير وتخاذل في الدفاع عن حفيد الرسول، رافقهم الاضطهاد عبر التاريخ، وصولا الى انتصار ثورة الخميني، فشعروا بنشوة الانتصار، وانعكس الامر على شيعة لبنان، الذين عانوا الحرمان لكن ليس لوحدهم، بدأ حضورهم مع حركة الامام الصدر، فاستفادوا من المقاومة الفلسطينية لالغاء الزعامات الشيعية التقليدية، ولاحقا استفاد “حزب الله” من الدعم الايراني لفرض سيطرته، ما دفع البعض الى الترحم على الاقطاع السياسي، امام الاقطاع العسكري المستجد، إذ كان بامكان حبيب صادق ان ينافس كامل الاسعد في الانتخابات، بينما حاليا يقبع في منزله مع آخرين. اعتبر “حزب الله” ان مساهمته في تحرير الجنوب تعطيه تبريرا ليتسلط على البلد، والتصرف وكأن المقاومة وظيفة مدى الحياة، ورد في أدبياته عام 1991 “نحن قوم يكبر وينمو في الدمار”. الموافقة على القرار 1701 أنهت عمل المقاومة، فارتد الى الداخل، وتحول الى حزب تابع لايران، ينفذ أوامرها ومشاريعها التوسعية وهي بالنسبة اليه مثابة فرائض دينية. عندما تصبح أي طائفة أقوى من الدولة وتستقوي على بقية الطوائف، ستدفع الثمن لاحقا، هذا ما حصل مع الموارنة والسنة والدروز، وسيحصل عاجلا أم آجلا مع الشيعة، يوظف سلاحه لممارسة منهج التعطيل، ليوقع البلد في الفراغ، جدد للمجلس النيابي لمنح استمرارية الى الرئيس بري، يريد أخذ الاطراف السياسيين الى مؤتمر تأسيسي، ليعيد النظر في التركيبة السياسية وليفرض أمر واقع جديد ونظاما سياسيا يعطيه أرجحية في السلطة، وما يدعو الى الاستغراب العودة الى نغمة حكومة وحدة وطنية، وهي الحكومة التي أطاحها وانقلب على اتفاق الدوحة، للاتيان بحكومة اللون الواحد، والتي عطل عملها ايضا، فأحرج الرئيس ميقاتي ودفعه الى الاستقالة، وضع يده على مرافق الدولة، ضرب موسم السياحة وشل الاقتصاد، ما دفع المواطنين الى اليأس والكفر بدولة تدفع نحو التحلل والاهتراء، فغامر بعضهم عن طريق الهجرة غير الشرعية فوقعت الكارثة وقضت على أحلامهم، بعدما كانوا مقتنعين بعيشهم المتواضع مطبقين ما ورد في سفر “ابن سيراخ”: “عيش الفقير تحت سقف من ألواح خير من الاطعمة الفاخرة في ديار الغربة”. تأكيدا لمخططات ايران ورد في صحيفة “كيهان” الايرانية في 2006/11/8: “في ظل النظام الاستراتيجي الجديد في الشرق الاوسط، صار واجبا ان يكون للشيعة في لبنان، وليس للشيعة اللبنانيين، أكبر حصة في المؤسسات الحكومية الرسمية وعلينا ان نرى ونتابع كيف تتطور الامور، إن أول ما يجب تغييره هو اتفاق الطائف، إن الشيعة يمثلون 40% من السكان اللبنانيين ويشغلون 40% من الارض اللبنانية، وهم المجموعة الأكثر وحدة وتوحدا فيه، وصارت قوتهم العسكرية الاقوى في المنطقة، لذلك يجب ان يكون لهم التمثيل الاكبر والأوسع في الحكومة وفي البرلمان…”. أخطر ما أقدم عليه “حزب الله” الانخراط في الحرب السورية دفاعا عن نظام القتل والاجرام، نظام يدمر سوريا ولا يرد على غارة اسرائيلية، وعند أول تهديد هرول الى تسليم سلاحه الاستراتيجي، كيف يوفق السيد حسن نصرالله بين الدفاع عن المظلومين والمقهورين والتغاضي عن استعمال السلاح الكيميائي ضد الاطفال والنساء، ذروة المذهيبة والتناقض في المواقف، التكلم باسم أمة علي واعتبار المعارضة في البحرين وطنية وشريفة والنظام البحريني ظالماً، أما المعارضة في سوريا فمجموعة مرتزقة وتكفيريين والنظام نظام ممانعة، من كلفك القتال في سوريا؟ وما الفائدة من ذلك؟ هذا خروج عن بيان بعبدا الذي وافقت عليه، وارتداداته وخيمة على لبنان، الأسوأ على الانسان، ان لا يملك قراره، لقد كشف غسان شربل في جريدة “الحياة” ان الخامنئي قال لمسؤول عربي “إما سوريا تبقى كما هي معنا أو لا تكون”.
إذا مزيد من التورط ومزيد من الضحايا، من أجل أي قضية يقتل الشيعة في سوريا، مشهد الجنازات يتكرر يوميا في القرى الجنوبية، هل تظن ان نظام الاسد سيدوم الى الابد، وأي علاقة تؤسسها مستقبلا مع الشعب السوري؟ وما العمل اذا تسلح اللاجئون، هل النظام “الاسبرطي” الذي تفرضه على بيئتك سيستمر وبدأت تداعياته في الاحتجاجات على الامن الذاتي الفاشل؟ وهل يمكن منع النحيب والحزن في المآتم وفرض الزغردة؟ هذا النمط لا يحول دون أن تتساءل النسوة اللواتي فقدن فلذات أكبادهن: لماذا؟ ومن أجل من؟ والى متى؟ لا تقود الشيعة الى “كربلاء” جديدة ودائمة والى الثأر والانتقام. الفرصة متاحة أمام “حزب الله” للتخلي عن غطرسته وشعار “بلطوا البحر” والانسحاب من سوريا والعودة الى الدولة وابقاء الشيعة في الكيانية اللبنانية عملا بوصايا الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين. فالدولة ملاذ الجميع.
