#adsense

محمّد رعد مشرّعاً: طوائف برؤوس مقدّسة وأخرى مقطوعة الرؤوس

حجم الخط

 

يدعو النائب محمّد رعد لقطع الرؤوس والأيادي. لم لا؟ هو مشرّع كبير على رأس كتلة برلمانية والدستور ينيط به تمثيل “الأمة جمعاء”. يدعو رفعت عيد لاستحلال دم شعبة من شُعَب الأمن الداخلي. لا بأس. “شاب واستحلى” كما يقال في اللغة “الدارجة”. في الوقت نفسه، لن يكون رعد وعيد مسرورين إذا بنينا على الشيء مقتضاه، وسمّينا الواحد “قاطع رؤوس” والثاني “مصّاص دماء”. لا، هما يريدان رغم كل ما في خطابهما الدموي, بالاحتفاظ بصفتهما “الغاندية”، المسالمة، ففي آخر النهار هذا مشّرع برلماني، وذاك مناضل في حزب “ديموقراطي”! بلدٌ ينخر كل جوانب الحياة السياسية فيه الفصام. لكن الفصام مراتب ودرجات. هو حين يقترن بالصلف المذهبي يبلغ مداه الأقصى. من الأمثلة على ذلك, ذلك الرفع لعلي عيد من قبل مجلس يحمل صفة “ملّية” ما, الى مصافي “الرمز للطائفة”، المحصّن، بل المعصوم، أمام القانون. طبعاً، النظام اللبناني طائفي، وهي أن كان يرتكز على محاصصة تراتبية بين الطوائف يقرّ بالمساواة بين الشخصيات المعنوية لكل منها، بصرف النظر عن الحجم العددي، والمآل التاريخي، والانتشار الجغرافي. لكنه نظام لا يعطي حصانة قانونية مطلقة لرجال الدين. أساساً هو نظام يجعل من المؤسسة الدينية المسيحية مؤسسة مستقلة بإزاء الدولة، فيما يدمج المؤسسة الدينية المسلمة بجهاز الدولة. فمن أين لمجلس في ملّة أن يجيّر حصانة ليست له الى “الجناح العلماني” في طائفته؟ يتأتى ذلك من خلال فرض معادلة جديدة: تقسيم الطوائف اللبنانية الى فئتين. الفئة الأولى هي “طوائف لها رموز”. للشيعة رموز سياسية مقدّسة. للعلويين رموز سياسيّة مقدّسة. هذه قد تشمل شخصيات من خارج البلد (علي خامنئي، بشار الأسد)، أو القيادات النافذة في الشيعة والعلويين (حسن نصر الله وعلي عيد)، ويمكن أن تتسع للمتهمين من قبل المحكمة الدولية بالضلوع في اغتيال الرئيس الحريري. وفي المقابل، هناك “طوائف بلا رموز”، بلا رموز مشروعة، وإنما هي طوائف تحت طائلة “قطع الرؤوس” و”استحلال الدم”. هكذا ينظر رعد وعيد الى الطائفة السنية اللبنانية. طائفة بلا رموز في مقابل الشيعة والعلويين كطوائف ذات رموز. يجري بالتواتر هنا استحضار القسمة الأوروبية بين “شعوب لها تاريخ” وبين “شعوب بلا تاريخ”، أو القسمة الاستعمارية بين من “يستطيع تمثيل نفسه” وبين من يتمثّل بالذي يستبيحه وينهض بحاله. المتاح للطائفة التي لا تقرّ على رموزها من قبل الطائفتين الكبرى والصغرى من “ذوات الرموز” هو أن تحتكم الى رموز سواها! ما الذي يشرّعه رعد وعيد الأب والابن؟ نظام جديد للإشارات والرموز في لبنان: هناك طوائف ذات رموز مقدّسة ومعصومة وهناك طوائف لا تقرّ لها رموز, فلو طالبت بالأمر اعتبرت “تكفيرية” حيناً، و”مرتهنة” للغرب حيناً آخر. من جهة: الشيعة والعلويون، ومن جهة ثانية: الطائفة السنّية. لكن ماذا عن المسيحيين والدروز في هذا النظام الذي يشرّع له رعد وشركاه؟ منزلة بين منزلتين بين الطائفتين “ذات الرموز المقدّسة” وبين الطائفة المنكر عليها حق الترميز الى نفسها؟ مجموعتان من الماضي في زمن الصراع السني ـ الشيعي الكبير؟ احتياطي لتحالف الأقليات؟ أو في المقابل خطر كامن بتشكّل تحالف سني ـ درزي ـ مسيحي جديد كذلك الذي دفع باتجاه إنهاء الوصاية السورية على لبنان؟ الواقع سيتولى الاجابة. والواقع اذا كان يفضح ما “يشرّع له” رعد (ومتفرقاته)، الا أنه يطرح السؤال على بقية الطوائف، كل في سياقه، سنياً ومسيحياً ودرزياً. فبعد كل شيء هذا ما يطرحه “حزب الله” كمنطق للمنازعة في هذا البلد، فما هو الطرح البديل؟ الإجابة الأوّلى أنّ الهدف الأساسي للسنّة والمسيحيين والدروز في مقابل المشروع الذي يمثله “حزب الله” تنبغي إعادة تحديده بوضوح: إنه الخروج على معادلة الفصام، الخروج من ثنائية “طائفة رموزها مقدّسة” تقابلها “طائفة لا يقرّ لها بحقها في الترميز”، وما بينهما من طوائف إما يجري الاطمئنان الى أنها مغلولة اليدين، وإما يجري العمل على غلّ أيديها. هذا الخروج يكون بطرح الأمور بشفافية أكبر سنياً ومسيحياً ودرزياً، والشفافية تعني الاعتراف انه في تاريخ هذا البلد، وكل بضعة عقود، تزاول طائفة ما لعبة الهروب الى الأمام، محاولة فرض منطق الغلبة على بقية الطوائف، ونحن اليوم أمام المشروع الأخطر في هذا المجال، خصوصاً إن كانت هذه الغلبة تمرّ من خلال فرض قسمة فتنوية من نوع “طوائف برؤوس مقدّسة” في مقابل “طوائف مقطوعة الرؤوس”، ناهيك عن البعد الأيديولوجي الخلاصيّ المغامر لهذه الغلبة المنشودة اليوم. نعم، ثمة أسباب ضعف كثيرة متعددة لدى السنة والمسيحيين والدروز تحول دون صوغ الهدف المشترك، الانقاذي للكيان اللبناني، والعامل على استعادة الطائفة الشيعية الى الموقع الميثاقي، حيث لا ميثاق إلا بصيرورة الطائفة الشيعية في صلبه أكثر من أي وقت مضى، بكل ما يمكن أن يقتضيه ذلك من صيغ مبتكرة وواقعية وقابلة للحياة. في الوقت نفسه، اذا كان الاجماع المسيحي – الدرزي – السني قد تشكّل قبل ثماني سنوات على إخراج الوصاية من لبنان، فلا يُعقل أن يتأخر هذا الاجماع الآن، فيما القضية ملموسة أكثر بمعيار التوازن الطائفي، حيث يتعلّق الأمر بتضخم محاولة فرز استعلائية من قبل عائلة لبنانية على العائلات الأخرى. وأياً كان دور السياسة الاقليمية، لا يمكن بعد الآن استمرار المكابرة على الطابع الداخلي جداً لهذا الشقاق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل