لن تكون المرة الاولى ولا الاخيرة التي تقف فيها ” كرامة ” الدولة اللبنانية ومهابتها وسطوة قضائها واجهزتها أمام تهديد تنظيم مسلح بـ”اهدار دم” أحد اجهزتها جملة وتفصيلا على غرار ذلك التهديد الذي اطلقه رفعت عيد لشعبة المعلومات. هذا نمط بات مالوفا ورائجا وذائعا وليس فيه ما يصدم او يفاجئ ما دامت دبابات للنظام السوري تمركزت منذ لحظة استدعاء النائب السابق علي عيد الى التحقيق على مقربة من منزله للقول للدولة اللبنانية إن هذه “الوقاحة” لن تمر هذه المرة. وما كان للامر ان يحدث دويا لو لم يأت تهديد عيد الابن على وقع تصعيد يراد منه تزنير البلاد سياسيا وأمنيا بحقول ممنوعات جديدة هي أقرب الى حقول الالغام بخطوطها الحمر المتوهجة.
يستدعي تهديد جهاز امني بهذا النمط السافر المباشر، من دون توفير مخابرات الجيش معه، التساؤل عما اذا كانت ثمة استعدادات لدى حلفاء النظام السوري فعلا لقلب الطاولة على غرار ما هدد به قبل ايام رئيس كتلة “حزب الله” النيابية النائب محمد رعد. حتى ان الحيرة الواسعة التي أثارها الهجوم المتدحرج لـ”حزب الله” على خصومه بلا اي مبرر منطقي مقنع ربما تتبدد أمام انكشاف ملامح أمر عمليات يتخذ منحى شموليا لمنع قيام ما يماثل ملف المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانما على مستوى لبناني في ملف تفجيري طرابلس.
هذه العاصفة الصوتية وموجات التهديد التي يراد لها ان ترعب الدولة وخصوم النظام السوري في لبنان قاطبة ما كان لها ان تنفجر على الارجح بفعل ارتباطها فقط بأبعاد اقليمية مزعومة. فما دام النظام يستشعر بتفوق يقرب من “الانتصار”، ما الذي يبرر هذا الدوي الملعلع في لبنان؟
واقع الحال الذي لم يعد ممكنا معه طمس الحقائق هو ان ثمة قضية كاملة انكشفت فصولها واكتملت كل ملابساتها في تفجيري طرابلس على يد الدولة اللبنانية بكامل منظومة اجهزتها الامنية والقضائية كما لو انها اقترفت المحظور الممنوع ومزقت الخط الاحمر وراحت الى حيث ما لم يحسب له كثيرون هذه المرة.
في لحظة شديدة الاحتدام على وقع التطورات السورية والاقليمية المتسارعة تأتي قضية كاملة المواصفات القضائية لتهدد بنفسها مخطط نقل التداعيات السورية الى سائر أنحاء لبنان، مما يعني ان لدى هذه الدولة التي ينهال الجميع على تعييرها بالضعف ملامح قدرة حين تقرر ان تكون دولة شرط تمزيق كل الممنوعات والخطوط الحمر ومواجهة الترهيب والاسترهان للتخويف. إنها اذاً بداية مواجهة حاسمة لا تحتمل تسويات وأنصاف تسويات مهما اشتد اوار العواصف الصوتية لأن ثمنها لا يقل عن تهديد دولة برمتها.