#adsense

الرياض تُواجِه أينما كان… إلّا في لبنان

حجم الخط

الدور الذي تؤديه المملكة العربية السعودية في الفترة الأخيرة فاجأ الكثيرين، إذ تصدرت المواجهة مع ايران في كل الدول، التي حاولت طهران وتحاول مدّ نفوذها داخلها وإرساء أنظمة موالية لها، باستثناء لبنان، حيث أوقفت الرياض دعمها المباشر للفريق المقرّب منها منذ اتفاق الدوحة. فما الأسباب وما حقيقة الموقف السعودي؟

رَفضُ المملكة عضويتها في مجلس الأمن جَسّد أفضل تعبير عن الموقف التصعيدي السعودي في رسالة موجهة إلى كل مَن يغضّ النظر عن المشروع الإيراني النووي والتوسعي. ومن الواضح أن هذا الموقف أدى الى فرملة الاندفاعة الأميركية، ودفع وزير الخارجية جون كيري إلى زيارة الرياض والتأكيد على وحدة الموقف معها من الأزمتين السورية والإيرانية، في موازاة اتخاذ فرنسا موقفاً متشدداً من المفاوضات الغربية مع طهران، ما أدى الى تأخير الاتفاق الذي كان على قاب قوسين من أن يبصر النور ، فضلاً عن تأخير انعقاد “جنيف -2” الذي كان تمّ تحديد موعده السابق من دون الوقوف على رأي المملكة.

وعندما رأت المملكة أن أيّ تساهل يؤدي إلى تطويقها ضمن كمّاشة إسرائيلية-إيرانية رفعت صوتها ضد الجميع، محذرة من اضطرارها الى خربطة أيّ تسوية محتملة على حساب العرب والمنطقة العربية، فيما واصلت دعمها غير المحدود للنظام الجديد في مصر الذي نجح في تجاوز الأزمة مع الإخوان المسلمين، كما واصلت دعمها للمعارضة السورية سياسياً ومادياً منعاً للعودة إلى ما قبل الثورة في آذار 2011، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما صحّة الانطباع بأنّ لبنان غير موجود على الأجندة السعودية على رغم انه أوّل دولة نجحت إيران في مدّ نفوذها داخلها بطريقة منهجية عبر تأسيسها “حزب الله”، واكثر دولة خاضعة للنفوذ الايراني؟

وفي الإجابة تبرز وجهات نظر عدة وتفسيرات مختلفة نظراً لغياب المعلومات من المملكة:

أولاً، الرياض أوقفت دعمها الماديّ لقوى 14 آذار بعد أحداث 7 ايار 2008، حيث تبيّن لها انّ “استثمارها” في هذه القوى كان في غير محله، وهذا ما يفسر الـ”سين-سين” في محاولة منها لإبرام تسوية مع سوريا تأخذ نفوذها في الاعتبار مقابل إرساء توازن بين 8 و14 آذار، وذلك نتيجة خشيتها من أن يؤدي ترك زمام الأمور بيد 14 آذار الى إعادة لبنان إلى زمن الوصاية الكاملة.

ثانياً، تعتبر الرياض أنّ انطلاق الثورة السورية جعل المعركة الأساس في سوريا، هذه المعركة التي يتأثر لبنان بنتائجها، وبالتالي دور بيروت في هذه المرحلة هو ثانوي بانتظار مؤديات هذه المعركة التي تقرر مصير لبنان والمنطقة.

ثالثاً، تعتبر الرياض أنّ أيّ دعم ماديّ لقوى 14 آذار يعني إعادة تزخيم هذه القوى وتفعيل ديناميتها وتعبئة صفوفها، وبالتالي أيّ استنهاض شعبوي في هذه المرحلة لا بد أن يقود الى مزيد من التوتير وتعريض لبنان إلى مواجهة هو في غنى عنها، لأنّ المعركة المفصلية في سوريا لا لبنان، ومن هنا رفضها التمويل ينبع من حرصها على تحييد لبنان.

رابعاً، الرياض أوقفت دعمها على أثر الاتفاق الضمني مع دمشق التي تعهدت السعي لوقف الاغتيالات، ولكن السعودية لم تُعِد النظر بموقفها بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن ومحاولتي اغتيال الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب.

ولكن بمعزل عن كلّ ما تقدم، لا تقدّم هذه التبريرات الجواب الشافي عن الأسباب الكامنة وراء غياب المال السياسي السعودي الذي جعل تيار “المستقبل” وقوى 14 آذار في وضع غير متكافئ مع “حزب الله” وقوى 8 آذار التي تتلقى المال الإيراني بسخاء على رغم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، ولا بل استمرار هذا الوضع في ظل غياب الحل السوري سيؤدي تدريجياً الى إمساك “حزب الله” بكلّ مفاصل الحكم في لبنان وتمدده داخل الدولة ومؤسساتها وخارجها. وبالتالي، إذا كان هناك من مآخذ محقّة للمملكة على 14 آذار، فهذه المآخذ لا تعالج بمعاقبة هذه القوى بهذه الطريقة، خصوصاً أن وقوع لبنان تحت الهيمنة الإيرانية بشكل كامل يشكّل خسارة استراتيجية للرياض ربطاً بموقع لبنان وتمسّك طهران بنفوذها داخله للربط مع القضية الفلسطينية، فضلاً عن انه يجب التمييز بين ما هو دعم للمواجهة ودعم للصمود.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل