تآكل مبادئ ومُثل وأخلاقيات. الروادع ضعيفة، إن لم تكن معدومة. وحالة فلتان أمني خطير تُترجَم يومياً ضحايا بين قتيل وجريح، مصابين في أجسادهم ونفوسهم وانتمائهم. الكل مأزوم، أو تحت الصدمة. حتى ان أحد الناجين من حادثة عبّارة الموت في اندونيسيا، صرخ فور عودته: “بدنا نصير من قطّاع الطرق”. تعليله: “ما في دولة. لو في.. ما كنا رمينا حالنا على الموت”. وتعليل غيره: “في دولة.. بس ما في سلطة ولا مركزية قرار”. وبين: يوجد دولة أو لا يوجد، المواطن مخطوف إلى واقع حال بات يرخي بظلاله القاتمة على مفهومي الدولة والسلم الأهلي، ولا من يسمعه ولا من يحرره.
منى فيّاض
تردّ منى فيّاض (نائبة رئيس حركة التجدد وأستاذة وباحثة جامعية) ما هو حاصل في البلد الى ضعف الدولة والأجهزة الأمنية بفعل الانقسام الحاصل وسيطرة بعض القوى أمنيا واجتماعيا على مناطق عدة في لبنان. فينتج عن ذلك ضعف السلطة المركزية في البلد لصالح القوى المسيطرة على الأرض. تقول: “لهذا لا يمكن تطبيق القانون في مكان، ومن ثمّ التغاضي عنه في مكان آخر”.
وتلفت الى أنّ تفشي العنف السياسي والفردي يحصلان عادة عندما تفقد الدولة سلطتها ومرجعيتها. وتأسف لجهة تطبيق قانون نسبي، إذ يخضع بعض القضاة للتهديدات. وكل هذه الأمور هي إشارات سلبية يتلقفها المواطن من أجل أن يشرعن فعل ما يحلو له آخذا حقه بيده. وبغياب الأمن السياسي، وبالتالي الاجتماعي، من الطبيعي أن يتفشى العنف.
وبحسب المعطيات والأرقام المتوافرة، تبدي فياض ذهولها من حجم العنف المتزايد في البلد. تقول: “هناك أكثر من قتيل يوميا وعدد من الجرحى”.
وفي الجانب الاقتصادي، تحذّر: “موارد البلد آخذة في التناقص. الديون بالمليارات، والمشكلة أنه في السنوات الأخيرة، زاد العجز عندنا والبلد صار مقطوعاً عن الخارج، الأمر الذي يؤكد بأننا في طريقنا الى أزمة كبيرة. واحتمال الانفجار وارد في أي لحظة. هذا الأمر تنبّه له البنك الدولي في الأشهر الأخيرة. كما أنّ أداء الحكومة كان سلبيا، وتضافر معه وجود أعداد كبيرة من النازحين السوريين الذين وصلوا في ظروف صعبة، من عنف وفقر، ما فاقم حالات اللجوء الى السلوك اللااجتماعي لتأمين حاجاتهم بسبب عدم قدرة لبنان على تحملهم”.
وتعلّق: “نحن في أزمة كبيرة لم نشهدها، ولا حتى في الحرب اللبنانية. ففي السبعينيات، كان البلد متخما بالحوالات المالية وكانت الأوضاع الاقتصادية أفضل بكثير. أما اليوم، فالوضع خطير إذا لم تأخذ الدولة تدابير عاجلة في تشكيل حكومة تعيد وصل ما انقطع من مساعدات الى لبنان. وهنا، على الرؤساء والمرجعيات المساهمة معا في إعادة ضبط الوضع ووقف النزف الحاصل باعتبارهم المؤتمنين على هذا البلد، وان غرقت السفينة سيكونون على متنها”.
وتلقي فياض باللوم على الفرقاء السياسيين في الانقسام السياسي الشديد، ولا سيما بعد انخراط حزب الله في أتون الحرب السورية، الأمر الذي فاقم الاحتقان بين البلدين وفي الداخل. وباعتبار ان هذا الطرف له نفوذه على الأرض، مطلوب منه في ظل المتغيرات السياسية الأخيرة، تحمّل المسؤولية وإعادة ضبط الأوضاع وترجمة التقارب الايراني الأميركي بما ينعكس خيرا وسلاما على البلد بدلا من تعقيد الأمور. وفي تلك الخطوة، لا بد من تقديم التنازلات وعدم الاستفراد بالقرارات والتصرف بمسؤولية”.
وتقرأ فياض في التحولات السياسية في المنطقة: “علينا أن نعتبر من التجربة التركية. فهذا البلد ما صار له وزن ورأي في العالم إلا بعد أن أصبح اقتصاده في المرتبة 16 في العالم. نحن تركنا بلدنا ينهار اقتصاديا، وتلهينا بأمور كان من الممكن تجنّب انعكاساتها علينا. وبكل الأحوال، لا بد من حلول سريعة تجنبنا الانهيار والغرق في الفوضى والفساد اللذين أوصلانا إلى وضعية صار فيها السجين حاكما بأمر السجّان، وفوق ذلك يأمره باحضار مادة “الكاربير” له وكل ما يخدم في إعداد المخططات والمؤامرات”.
هدى رزق
تربط الأستاذة والباحثة في علم الاجتماع هدى رزق ما هو حاصل من فلتان أمني بالمعطيات السياسية الموجودة على الأرض، تقول: “هذا يرجع الى عدم اتفاق القوى السياسية مع بعضها حول برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي في البلد. وإبان الأزمة السورية رأينا كيف زاد عدم الوفاق. قبل ذلك كانت المرجعيات السياسية تستمد قرارها من الخارج، إلا أن ذلك كان يحدث في ظل توافق داخلي”.
وتضيف: “بعد الأزمة السورية شهدنا فلتانا أمنيا مرده الى مواقف القوى السياسية وانخراطها بالأزمة السورية علناً، ومن دون رادع. هذا التدخل العلني أدى إلى غياب الرادع، كما أنّ عدم الوفاق الداخلي أدى إلى التفلّت على الصعيد الاجتماعي وكأنّ البلد صار منقسما فعليا، وكأننا دخلنا في كانتونات فعلية بعد أن كانت وهمية، علماً بأن أي بلد يصل إلى هذا الوضع ينعكس حكماً على تصرفات المواطنين الذين باتوا يستشعرون غياب الروادع الأمنية وسلطة القانون”.
وتقرأ في الأسباب التي أدت إلى التفلت الأمني: “حصل التفلت لأن القوى السياسية متلهية بالخارج وبالتالي الوضع الداخلي “فلت”، في الوقت الذي يفترض أن تضبط القوى الأمنية الوضع الداخلي. وهذا ولّد الفراغ القانوني بعد الأمني. وهناك مسألة النازحين السوريين، بحيث صار وجودهم مثل قميص عثمان، تنسب اليهم التجاوزات والتعديات، وفي هذا الجانب خلق وجودهم الفوضى”.
وتخشى رزق من أن نكون مقبلين على تقسيم أمني فدرالي تحت شعارات معينة، وكأنّ واقع اللادولة في سوريا انعكس على أحوالنا، وربما بمخاطر أكبر. تقول: “التفلت انعكاس لتدخلنا في الشأن السوري، ونحن تورطنا في الشأن السوري، والسوري أصبح عندنا، ناهيك عن احساس اللبناني بأنّ كل طرف محسوب على فريق، وهذا ما يشعرنا بأنّ البلد مقبل على اللاوحدة”.
وتتوقع أن ينحى البلد إلى مزيد من العنف الاجتماعي، ولاسيما لدى الأولاد ما بين 4 و18 سنة. تقول: “بدأنا نلمس كيف أنعكس العنف على الأولاد، فإذا بهم يتحزبون ويتمسكون بآراء الكبار ويميزون عنصريا. فالعنف الرمزي يمكن أن يتحوّل إلى عنف فعلي”.
وتقارن رزق بين مرحلة الحرب الأهلية والوضع الراهن: “في الحرب اللبنانية، ظل التماسك الاجتماعي موجودا في الأحياء ولدى الطوائف أكثر من المرحلة الحالية التي نمر بها. وفي المقابل، فإن أحوال هذه الأيام محاصرة بالافتراء والعصبيات المذهبية والطائفية تجاه الآخر. وتختم: “الوضع أسوأ أمنيا وسياسيا واجتماعيا. الدولة القوية هي التي تفرض القانون وهي المطلوبة من أجل الحد من الممارسات الفردية حيث كل فرد يمشي على قانونه الذاتي”.
نجاة ابراهيم
تجري المعالجة النفسية نجاة ابراهيم (رئيسة جمعية العلاج النفسي والاستشارات النفسية) تقييما لهذه المرحلة مقارنة من مع حقبة السبعينيات، تقول: “كانت حقبة السبعينيات غنية بالمتعلمين والمثقفين والناشطين الذين أسسوا معتقداتهم ومفاهيمهم من دون أي ضغوط أو تأثيرات جانبية، في حين أنّ أجيال هذه الأيام ورثت عن الآباء مخلفات الحرب وتبعاتها من معارف منقوصة أو مبتورة لزوم الطائفة أو الجهة التي ينتمون اليها. ربما لهذا لم نشهد في تلك الحقبة انهيارات على الصعيد الاجتماعي كما هو حاصل هذه الأيام. كان المجتمع محصنا أكثر، في وقت لم تستبح فيه الحقوق وظلّت التناقضات تحت السيطرة خلافا لأيامنا هذه حيث تسود الافتراءات والتجاوزات”.
أمّا مرد الفلتان الحاصل، فترجعه الى كون “المؤسسات التي تحمي المجتمع والقانون والأفراد تعرضت للتآكل، وبالتالي سلطة المؤسسات والقانون أصابها التقاعس عن القيام بأدوارها على أكمل وجه”. وتوضح: “هذه الأيام تفرعت مصادر القوى، ولإنقاذ ما أمكن إنقاذه، وجدت السلطات ضرورة في التعاطي مع قوى الأمر الواقع. وهكذا تبدلت الأحوال من سلطات مأخوذة من رضى الشعب إلى سلطة قوى مدعومة ماديا أو تقنيا، ليس فقط بالسلاح وإنما في التكنولوجيا وغيرها، ولاسيما أننا في مجتمعنا المتعدد المذاهب والأديان، عندنا التربة المهيأة لولادة التعصب وما يتبعه من تناقضات وتفتت”.
وتحذّر ابراهيم من تبعات هذا الفلتان. فالتسيّب والفلتان “يمكن أن يجري ضبطهما، لكنّ انعكاسات ما يجري يترسب في المجتمع، ولاسيما لدى الأسر والأفراد. فيتصالح المتنازعون وتبقى المشكلة لأن ثمة تجارب ومحطات لا تنسى ولا تمحى من الذاكرة. وتصير القرارات والخيارات منطلقة من التجربة المريرة التي خبروها. كما أنّ الانتقال من شريعة الغاب إلى شريعة القانون أخذ وقتا طويلا وجهدا أكبر. وهذا ما سيحدث عندنا بعد أن تستوي الأمور”. تضيف: “المجتمع كما الأب ليس بامكانه توجيه أولاده الى الطريق الصحيح طالما أن الأب نفسه تائه وحائر ويعاني من الاحباط. فكيف يمكن لأهل مهزومين إعطاء الإحساس بالأمان لأولادهم؟”.
وتأسف إلى كون العديد من الأهالي يرددون على مسامع أطفالهم: “مش عارفين كيف بدنا نهج من هالبلد”، أو “بلد ما بينعاش فيه”، فينشأ الطفل على هذا المنوال. ولا شك أنّ حالة اليأس الضاربة هذه الأيام هي التي دفعت عائلات بأكملها إلى المغامرة بحياتهم على متن عبّارة بدلا من الموت في شوارع باتت لا تحكي إلا لغة العنف”.
وتركّز على تبعات العنف النفسي لدى الشعوب التي خبرت العنف، وهنا على المعالجين النفسيين استيعاب الوضع والدخول على الخط بغية دعم الأفراد وتماسكهم. بالاضافة الى جمعيات المجتمع الأهلي التي في العادة تتوجه الى بلاد مزقتها الحروب من أجل رأب الصدع.
وتؤكّد ابراهيم ضرورة نشر الإحساس والانطباع الايجابيين من أجل أن يشكّلوا النموذج الصالح لأولادهم وبالتالي لا يفاقموا من تعقيد المشكلات.