يبدو تيار “المستقبل”، في هذا الإطار، غير مرتاب من غياب رئيسه، الى درجة الذعر من تبدّل موازين القوى على الأرض داخل الطائفة السنية. ففي كل المواقع والمدن ومناطق التأثير لا يزال التيار القوة المرجحة بنسبة عالية على رغم أن شرائح شعبية “مستقبلية” عاتبة ومستنكفة، ولكن ليس الى درجة تغيير البوصلة.
في حسابات تيار “المستقبل” جملة من العوامل تتحكّم بالوضع الراهن. الوضع في سوريا مرشّح لأن يطول، لكن ذلك لا يعني أن النظام كسب المعركة حسب ما يروّج “حزب الله” وحلفاؤه، وهذا ايضاً لا يعني أن المعارضة قادرة الآن على الحسم، لكن ذلك يمكن أن يتغيّر في المدى المنظور مع ازدياد أعمال التسليح. والنتيجة الأولية لذلك تؤدي الى مزيد من تورّط “حزب الله”، ومزيد من صرف رصيد عربي وإسلامي لن يستطيع الحزب ترميمه، ومن هنا يمكن فهم توتّر أمينه العام، الذي أعلن الانتصار، ثم ارتدّ الى لبنان ليضغط في اتجاه تأليف حكومة مع قوى “14 آذار”.
وفي حسابات “المستقبل” أن حرباً في المنطقة تتحوّل تدريجياً الى شكل من أشكال النزاع بين “القاعدة الشيعية” (حزب الله) و”القاعدة السنية”(الجماعات المتطرفة). وبعض مظاهر هذه الحرب تجري على الأرض السوريّة، وهي تؤثر سلباً في صورة الثورة السورية، نظراً لدخول العامل المتطرف الى النزاع، بحيث أصبح بجزء منه، مواجهة بين أصوليّتين تستنزفهما معاً، وتسحب المبادرة من يد القوى الحقيقية للثورة، ولكن ليس الى درجة أن تفقد هذه القوى قدرتها على تحديد مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد.
يبدو المشهد أمام تيار “المستقبل” شبيهاً للمشهد السوري. “حزب الله” الذي يجهد في تسليح بعض المناطق والمجموعات منذ العام 2008، وما قبل ذلك، بات يستدعي لغة التطرّف في الشارع للرد عليه وعلى حلفائه. يرفض “المستقبل” هذا التقابل، ويعتبر أن مواجهة “حزب الله” لا تتم بأسلوبه، ولا بالذهاب الى ملعبه. هذا يعني بالنسبة الى “المستقبل” أن لغة السلاح ستبقى مرفوضة، وأن الاحتكام لمؤسسات الدولة هو الخيار الوحيد الممكن، ولو كان خياراً مكلفاً.
يطرح “المستقبل” أمام جمهوره نماذج عدة لمقاومة مشروع “حزب الله”. نموذج الشيخ أحمد الأسير انتهى الى ما حذّر منه “المستقبل”، من أن استعمال السلاح يشكّل خدمة مجانية للحزب، سواء عرف من استعمل السلاح ذلك أم لم يعرف، وسواء كان مخترقاً أم لم يكن.
فوضى السلاح في رأي تيار “المستقبل” يمكن أن تؤدي الى سيطرة أمراء الحرب، ويمكن أن تشتّت كل الجهد الذي بذل منذ العام 2005 لاستعادة الدولة، فليس أسهل من الدخول في الحرب، وليس أصعب من تحديد موعد لنهايتها. كما انّ السلاح هو النقيض لمشروع رفيق الحريري، الذي هو أمانة لن يفرّط بها تيار “المستقبل”، ولهذه الاسباب يستعد مع حلفائه في “14 آذار” لخوض مواجهة سياسية وطنية طويلة الأمد مع “حزب الله”. مواجهة قول الـ”لا” يمكن أن تؤدي الى مزيد من الاستنزاف لقواعد التيار وجمهوره، لكن هذه الكلفة هي أقل بكثير من الاذعان لدعوات التسلّح، ومن الذهاب الى التطرّف الذي لا يشبه تيار رفيق الحريري، ولا “ثورة الارز”، ولا الرهان الكبير على مشروع الدولة والإعمار والإعتدال.