|
|
||||||
وجد المد الفارسي في تربة لبنان، من خلال رجالاته الذين تعاقبوا على المسؤوليات في هذا البلد الصغير، مادة خصبة ودسمة لزرع بذور تقاليدهم وعاداتهم إضافة إلى معتقداتهم حتى نمت هذه البذور شيئاً فشيئاً إلى أن فرّخت وحلّت مكان تقاليد وعادات لطالما آمن بها شيعة لبنان ومارسوها لعقود من الزمن قبل أن تُحرّم عليهم ويحل مكانها “الولي الفقيه”، “التكليف الشرعي”، “الحُرم”، “الشادور”، “التطبير” (شج الرؤوس).
رغم الأدوار الأساسية والمفصلية التي قام سفراء إيران بها لزرع ثورتهم في نفوس الشيعة وتثبيتها كمرجع مطلق لهم، إلاّ أن اتكال الخميني الأكبر في هذا الجانب تركّز على الدور الذي أدّاه “حزب الله” المولود من رحم الثورة الإيرانية، فكانت الرواتب الشهريّة والمساعدات العينية مروراً بالمأكل والملبس وصولاً إلى زواج “المتعة” الذي ما زالت تُثار حوله الكثير من الجدليّات إضافة إلى الرحلات الأسبوعية التي نظمها الحزب في حينه إلى منطقتي “قم” و”مشهد” الإيرانيتين بهدف زيارة أضرحة زعم الفرس أنها تعود لأهل بيت النبي ولتبدأ بعدها رحلة انتقال عدد لا يُستهان به من شيعة لبنان من مرحلة السيد موسى الصدر والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى مرحلة “الولي الفقيه”.
ومن المعتقدات التي أدخلها المد الفارسي إلى لبنان عدم صوابية الذهاب إلى الحج في مكّة المُكرّمة ما لم تعقبها حَجّة مماثلة إلى إيران لزيارة الأضرحة “المقدسة” الموجودة هناك وإلغاء زيارة العتبات المقدسة في النجف العراقية التي كانت تُعتبر أمراً في غاية الأهمية لدى شيعة لبنان في زمن السفر برّاً عبر الحافلات ولتحط رحالها عند حرمة الميّت التي باتت لها تقاليد خاصة تتبع من قبل “حزب الله” وجمهوره سواء عبر طريقة الدفن أو لجهة الصلاة على الجنازة وليتحوّل واجب العزاء إلى منبر لإطلاق المواقف السياسية والمذهبيّة ولعقد الصفقات الانتخابية.
لا شك في أن أكثر من يُعاني من المعتقدات الدخيلة على المجتمع الشيعي هم شيعة الأطراف الذين يسكنون القرى كالجنوب والبقاع وتحديداً النخبة المثقّفة منهم, وأكثر ما تنتقده هذه الفئة قارئ العزاء الذي يفرض نفسه على الأهالي بدعم من “حزب الله” ليبدأ كعادته بقراءة ما يسمّى “مجلس العزاء” بلغة عربية مصحوبة بلحن كربلائي وأحياناً فارسي، ليؤثّر بصوته وبطريقة أدائه على الحاضرين فيكادون أن يظنّوا أنه سوف يُغمى عليه لشدّة إفراطه بالبكاء لكن من دون أي أثر للدموع، وليدخل بعدها في الشق الديني محرّفاً التاريخ الإسلامي بما تهوى أنفُس الفرس ولتبدأ سيرة الشتم بهذا الصحابي أو ذاك الراوي وليبقى على هذه الحالة إلى حين يُنهي كلمته فيتذكر أن هناك ميّتاً يجب الدعاء له بالفاتحة.
لا يكاد يُنهي رجل الدين هذا كلمته، حتى يحلّ مكانه رجل سياسي بديل اعتمده “حزب الله” لإلقاء كلمة الحزب، فيبدأ بالتعريف وبإهداء سلام الأمين العام لأهل الفقيد والحاضرين علماً أن حضوره يقتصر على إطلاق مواقف سياسية تارة باتجاه إسرائيل وطوراً باتجاه المعارضين لسياسة فريقه لدرجة يُشعر فيها الحاضرين بأنه يُريد قتال إسرائيل وتحرير مزارع شبعا والقضاء على خصومه في الداخل من على منبره ليتوجّه في نهاية حديثه إلى جمهوره مذكّراً إياهم بالاستحقاقات البلدية أو النيابيّة وبضرورة الاقتراع لخط ونهج المقاومة وأهل البيت، فيُصبح انتخاب وئام وهّاب والنائب ميشال عون واجباً شرعياً يُعاقب الله كل من يتقاعس عن التصويت لهما.
ينتهي مجلس العزاء وتنتهي معه مأمورية “حزب الله”، ينظر أهل الفقيد حولهم ليجدوا أن الحزب قام بكل ما يلزم وأكثر، وليتقدموا بعدها من رجُلي الدين والسياسة مطأطئي الرؤوس منكسري الخاطر قائلين: “لم تتركوا شيئاً إلا وفعلتموه، لا عزاء لنا فالعزاء لكم أنتم”.