#adsense

“المشرقيّة” آخر تقليعات الممانعة

حجم الخط

 

يحتار المرء أمام المنتج الجديد الذي استجمعه كيفما كان أساطين الممانعة المتحلّقة حول نظام الاحتضار “الحيوي الدموي” في سوريا. استجمعوه من ركام عقائدهم وأحلامهم التي بدت متناحرة في وقت سابق. فهل كان يلزم كل هذا الخراب، وكل هذا التحطيم للركائز الأوليّة، الهشّة أساساً، للمجتمع في “القطر العربي السوري” – وفقاً للغة “القوميّة العربية”، كي يصير ممكناً للبعثي، والقومي الاجتماعي، والخمينوي والمهدويّ التعجيلي للظهور، والنوستالجي الآرامي كما البيزنطي، ونوستالجي “المردة والجراجمة”، ونوستالجي الفرنجة (وفي البال الأخت أغنيس) والمركب الذمّي السادومازوشي عموماً، الانصهار في بوتقة واحدة، عنوانها التسويقيّ الجامع: الهوّية (السلطة) “المشرقيّة”.

الطاغية “المضطر” الى قصف الأهلين بالسلاح الكيماوي على مسافة عشرات الكيلومترات من “قصر الشعب” خاصّته، والذي فقد السيطرة تماماً على معظم أنحاء البلد الذي ورث الطغيان عليه من والده، هو، بحسب الأيديولوجيا البعثية القائد الأعلى لأمة تمتد من المحيط الى الخليج، وتشمل خارطتها بلداناً لم تدخل جامعة الدول العربية كأريتريا، وأخرى تركتها كجنوب السودان، ولا مكان فيها للاعتراف بتعددية اثنية أو لغوية ذات شأن. لكنه في الوقت نفسه أمير العصبية الفئوية المرتبطة بأقلية دينية دون سواها، بحيث أنه كل مرة يجد نظام الاحتضار الدمويّ نفسه مضطراً لذلك، يطمئن نفسه بأنه في أسوأ الحالات سوف ينكفئ الى “المنطقة العلوية” من سوريا، ساحلاً وجبلاً.

لكن هذا القائد الذي يحتفظ لنفسه بحالتين من الطمأنينة الملحمية الداخلية، واحدة من “الشام الى تطوان” والثانية “من القرداحة الى طرطوس”، صار اليوم، وبشكل ازداد نسبياًً بشكل ملحوظ بعد مجازر الغوطتين، امبراطوراً على “المشرق”، وباعثاً لمجد “السلوقيين” قبل أن يفلح القائد الروماني بومبي في دمج سوريا بالإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. “المشرق”، وهل من معنى له من دون العودة الى زمن الصراع بين السلوقيين والرومان على سوريا؟ هل أنه “زمن البعث المشرقي السلوقي”؟!.
هوية مشرقية، وجبهة مشرقية، ومسيحية مشرقية، وإسلام مشرقي، وعروبة مشرقية، وحتى “ديالكتيك مشرقي”: هذا ما باتت تزخر به جرائد الممانعين من تخريجات وشعارات طريفة. فحتى لو أنّ قسماً من هؤلاء الممانعين (وثمة الأولترا بينهم الذين يرفضون تسمية الممانعة “الدفاعية” وغير الجذرية) قد عرّج (سطحياً بلا شك) على مدرسة ادوارد سعيد في نقد “الاستشراق”، وبالذات في تتبعه لكيفية إنشاء أجيال متعاقبة من الرحالة والبحاثة والساسة الأوروبيين لمفهوم “الشرق” بغية استحلال الهيمنة على مكوّنات هذا الشرق، فإنّ الممانعين اليوم ينصرفون الى اجترار نفايات الاستشراق نفسه ويتخذون منها بوتقة جامعة لهم، عنوانها “الهوية المشرقية”.

فلا تدري إن كان “مشرق الممانعين وحلف الأقليات” هذا، يمت بذي صلة الى “جريدة المشرق” التي أنشأها الأب اليسوعي لويس شيخو أواخر القرن التاسع عشر، أو للمشرق العربي كأحد “الخافقين” في خارطة الأمة الفسيحة المتخيلة عند القوميين العرب، أو هو بلاد الشام حصراً، أو هو أقرب الى المفهوم الفرنسي، ثم الأوروبي، عن “المشرق”، بمعنى “ليفانت”، وهذا يمكن أن يُفهم على أنه الشرق الأدنى حيناً، أو شرق المتوسّط، لكنه يمكن أن يعني “عتبات المشرق” بمدى متوسطي – عثماني أوسع، كذلك الذي يقتفي أثره وسحره وخبوه المؤرخ فيليب مانسيل في سرديات الجاليات الأوروبية في بيروت وازمير والاسكندرية في ظل الدولة العليّة.

لا، بخلاف “ليفانت” فيليب مانسيل، فإن “مشرق الممانعين” يجاهر بعداء شديد لكل ما هو عثماني، ويسارع الى مطابقة عقيمة بين الرابطة العثمانية وبين العلاقات الاستعمارية التي فرضت على المنطقة في أعقابها. العداء للعثمنة يستحضر هنا لتبرير معاداة تاريخ المدن في بلاد الشام، كما تستحضر “الممانعة المشرقية” في الوقت نفسه “العداء للبداوة” لتبرير أحقاد كثيرة. أما الأرياف السورية الثائرة فيستعان ضدها بطائرات “العمال والفلاحين” السوفيات، وغاز السارين.

“مشرق الممانعين” هو شقّة مفروشة يمكن أن يجد فيها كلّ ممانع ضالّته ومتعته، سواء كان قومياً عربياً أو سورياً أو أممياً إسلامياً – طبعة إيران، أو شيوعياً – طبعة خالد حدادة، فضلاً عن حرّاس “المسيحية المشرقية” التي ترى الحفاظ على الوجود المسيحي بدعم الطغاة في وجه النسيج الأكثري للمجتمع السوري، ولا ترى الى مسيحيي الشرق كوجود حضاري فاعل، وإنما كوجود أركيولوجي، ومن هنا توظيف محنة أهالي معلولا في هذا الاتجاه.

مسيحيّو الشرق؟ مسيحيّو المشرق؟ طبعاً، لا يتنبه ملفّقو البوتقة “المشرقية” الجديدة كاسم مشترك لتحالف الأقليات ولتحالف بقايا الأيديولوجيات، في سياق دعم مجازر بشار الأسد، الى أن التقسيم قائم أساساً بين مسيحيي المنطقة بين من ينتمون منهم الى “كنائس مشرقية” وبين من ينتمون الى “كنائس شرقية”. هذه فاتتهم. الكنائس الأرثوذكسية “المشرقية” هي تلك التي تشارك الكنائس الأخرى في ثلاثة مجامع فقط، وترفض مجمع خلقيدون الذي أقرّ بطبيعتين ومشيئتين للمسيح. “المشارقة” بهذا المعنى هم الأقباط والأرمن والسريان، في حين أن الروم الأرثوذكس كنيسة “شرقية”. وبهذا المعنى فإن “المشرق” يشمل مسيحياً كنيسة مالانكارا السريانية في جنوب الهند، كما الكنيسة الأثيوبية، ولا علاقة له بحدود بطركية أنطاكية وسائر المشرق عند من يتوارثون، على اختلافهم، إرثها الليثورجي، ويختلفون لاهوتياً وتنظيمياً.
“المشرقية” هي آخر تقليعات الممانعين الأيديولوجية: مخيال الذين لا مخيلة لهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل