Site icon Lebanese Forces Official Website

الرئيس القوي

تجري الأيام أسرع مما ينبغي فيما المراوحة تكاد أن تقتلنا، والسؤال الأبرز الذي يطرح نفسه في أي لحظة، كيف السبيل ليستفيد لبنان من هذه التسوية الكبرى الآتية ولو بعد حين؟ وبتعبيرٍ أدق، كيف نُخفِف عن هذا اللبنان الأعباء التي أنتجها الشحن المذهبي والإرهاب الذي يستعرض “فائِض القوة” مُشرشِحاً الدولة لصالح الدويلة ومُنتهكاً كرامة الأجهزة الرسمية التي يُفترض أن تمتلك حصرية الأمن قبل الولوج إلى النفق المظلم؟

ها هو الاستحقاق الرئاسي يقترب شيئاً فشيئاً والمعنيون به غارقون في التباينات حول جنس الملائكة وصراع الآخرين، من دون أي نظرة مشتركة تقيهم شرّ التهميش وتجعل منهم إمّا ملوكاً وإمّا “صنّاع ملوك”، فيما يقع الخلاف العبثي ضمن الفريق الواحد وعلى الضفتين حول تفسير النصاب المطلوب لانتخاب الرئيس.

بات لسوريا المنكوبة حكومتها ولبنان المُتفرج ما زال ينتظر الآتي غير القريب على الصعيد الحكومي. ففي الأفق تعطيلٌ وتعطيل، أصابع مرفوعة تهدد حيناً وتنفذ أحياناً. هنا أيضاً نسأل إلى متى هذا الصمت حيال كلّ هذا التقهقر الذي يُصيب المؤسسات من أمراء المحميّات المُستأسدين؟ أوليس للدولة رجال يحمونها بمعزل عن بعض التحالفات المشبوهة؟ وهل السكوت عن الحليف المُجرم سيعفي الساكت من حكم التاريخ؟ وهل الدفاع عن الجيش اللبناني بات الشماعة التي نستعملها وفقاً لمصالحنا الذاتية؟

وفق كل هذا الانسداد في الأفق، ينظر غير فريق بعين الأمل إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي لا يترك مناسبة إلا ويقتنصها للصالِح الوطني العام، حاملاً هموم الوطن الجريح من أفريقيا إلى فرنسا فأميركا وروسيا مروراً بإيران والسعودية التي عاد من زيارتها بالأمس ساعياً إلى ترسيخ نهج الاعتدال الذي بات يشبهه إلى حد التطابق. هذا الرئيس الذي يعمل جاهداً لإيجاد المساحات المشتركة بين جميع الأطراف المتنازعة على شكل الحكومة وألوانها والأحجام التمثيلية والبيان الوزاري العتيد. قد ينجح وقد لا ينجح لكنه على الأقل يُحاول جاهداً إنهاء عهده بهدية سارّة لجميع اللبنانيين.

بئس هذا الزمن الذي يُحارَب فيه مَن وضع نصب عينيه مصلحة لبنان ولبنان فقط، بجيشه وشعبه والمؤسسات الشرعية وحدها من دون سواها، بهدف إعادة بناء الدولة القوية التي نحلم بها، دولة بيانها الوزاري الدائم “إعلان بعبدا” الذي يصلح لكل زمانٍ ومكان. وسط هذا الانقسام المذهبي الحاد، يقف رئيس جمهورية لبنان حاملاً بصلابته أعباء الانعكاسات السلبية التي تطال العهد وتُعرقل المشاريع وتُجمِّد عجلة التقدم في انتظار النتائج الآتية من خارِج الحدود، يتحدثون عن الرئيس القوي، “بالله عليكم كيف يكون القوي إن لم يكن على صورة ميشال سليمان ومِثاله؟”. فالرئيس القوي هو من يمتلك القدرة على محاورة الجميع، وفي الوقت نفسه على إغضاب الجميع إذا اقتضت الحاجة الوطنية.

الرئيس القوي هو من ينتزع الوثيقة الأبرز التي عُرفت بـ”إعلان بعبدا” من حطام الانقسامات على الرغم من أطنان الحقد ومئات الرسائِل وعشرات الصواريخ. الرئيس القوي هو الذي يصل ولا يُساوم وليس الذي يُساوم ليصِل. فما قيمة القوة غير القادرة على إقناع فريقها السياسي قبل أن تنفتِح فجأة على باقي الأطراف، فأي ماروني قوي من الأسماء المُرشَّحة لديه ما يكفيه من الأصوات النيابية الكفيلة باجتياز عتبة “القصر المستحيل” الذي تُهدر الكرامات على أدراجه والأعتاب؟

حتى الساعة، يُغرِّد الرئيس سليمان وحيداً، وحده القوي ووحده الضمانة حتى إثبات العكس، وحتى ظهور العتيد المُنتظر حاملاً بجعبته أصواتاً نيابية كفيلة بإلباسه عباءة القوة المُكمِّلة للتأييد الشعبي، وهنا لا بد أن نسأل بلسان الكثيرين شركات الإحصاء التي لم تعمل حتى الساعة في ظلّ الانتخابات المؤجلة إلى ما شاء الله، على استفتاء الشعب اللبناني حول رأيه بالرئيس الحالي وكافة المرشحين؟ حينها فقط يُدرِك الجميع من هو الرئيس القوي وما هو المفهوم العام لتحديد مكامن القوة على أبواب الاستحقاق الداهِم.

Exit mobile version