#adsense

سفير الدنمارك لـ”الجمهورية”: الإستعداد لـ “جنيف – 2” أهم من توقيته

حجم الخط

طعّمت معرفة السفير الدنماركي باللغة العربية بمصطلحات مصرية، وفلسطينية بحكم عمله، إذ يقول هولمبو في أول مقابلة يخصّ بها “الجمهورية”: “خدمت أربع سنوات في المكتب التمثيلي للدنمارك في رام الله وكنت اتوجه بمعدل مرة في الاسبوع الى غزة، ما لم تغلق إسرائيل الحدود”، محاولاً منذ نحو أربعة اشهر تعلّم اللهجة اللبنانية.

ففي الضفة الغربية وغزة، لا تزال الدنمارك منخرطة في برامج تعاون مع السلطة الفلسطينية منذ العام 1995، وقد استمرت في متابعة عملها في قطاع غزة، على رغم فوز حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية وسيطرتها على السلطة في ما بعد.

ويقول هولمبو: “أطلقت الدنمارك مشروعاً تدعم فيه 14 بلدية من اصل 26 في قطاع غزة ولم تغيّر تعاملها عقب فوز حماس، إذ إنّ الدعم طابعه تقني وهدفه مصلحة الناس. وستبقى أهدافنا نفسها تركّز على إشراك المواطنين وانخراطهم في صنع القرار والعمل البلدي على وجه التحديد”.

تجربة سنوات أربع يستعيدها هولمبو بشغف، على رغم الصعوبات الأمنية التي واجهها، بدءاً بتوغل الجيش الإسرائيلي في القطاع على خلفية خطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط في نهاية حزيران 2006، مروراً بسيطرة “حماس” على السلطة عام 2007، والتوتر الذي لا يزال قائماً مع السلطة الفلسطينية.

“شهدنا على ثلاثة ايام من الحرب الأهلية، لقد كانت تجربة قاسية” يقول، و”لكننا لا نزال ملتزمين مع البلديات وشبكات العمل الاجتماعي، ما يهمّنا هو مصلحة الناس فنحن لا نعمل بغية تحقيق أجندة سياسية”.

إلى جانب ترؤسه لمكتب الدنمارك التمثيلي في فلسطين، عمل هولمبو أيضاً ممثلاً لبلاده في وكالة “غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين” “الأنروا” في الاردن، مذكّراً بأنّ الدنمارك تعدّ بين أكبر الدول المانحة في”الأنروا”.الصيف الماضي، عُيّن سفيراً لبلاده في كلّ من سوريا والاردن، وقد تزامن ذلك مع بدء الاحداث في حلب ودمشق.

هناك، نجح هولمبو في نسج علاقات واقامة إتصالات مع “الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة”، وحتى مع جهات مقرّبة من النظام، من دون ان يغفل التنسيق مع المنظمات غير الحكومية، للوقوف على حاجات اللاجئين السوريين داخل سوريا، وفي لبنان، والاردن.

ويقول: “الهدف من إقامة علاقات مع النظام والمعارضة على حدّ سواء، هو الحفاظ على التوزان في علاقتنا وسياستنا”. ويضيف: “حتى اليوم سفارتنا لم نغلقها في دمشق، لكننا نتابع عملنا من بيروت ونذهب الى سوريا فقط في مهمات قصيرة، يفرضها إيقاع الأوضاع الأمنية”.

ويفاخر هولمبو بأنّ الدنمارك من “أكبر الدول المانحة في ملف اللاجئين السوريين”. ويوضح “هذا انجاز لبلد صغير، أن نكون اقوياء في المجال الانساني. أمّا في المرحلة الانتقالية، فسنسعى الى الانخراط في بناء سوريا المستقبل وبناء جسور جديدة بين جميع السوريين لمنع انقسام البلاد”.

أمّا على الصعيد السياسي، فيدعو هولمبو الرئيس السوري بشار الاسد إلى أن “يعيد النظر في دوره، لتسهيل إيجاد حلّ للأزمة السورية”.

ويقول: “موقفنا لا يزال على ما هو عليه، الحلّ الوحيد هو الخيار السياسي الذي يجمع ويضمن حقوق الاقليات من علويين ومسيحيين ودروز وشيعة وفلسطينيين وسنّة وإدماجهم جميعاً في العملية السياسية”.

وفي ظلّ الضبابية التي تحيط بموعد عقد مؤتمر “جنيف – 2″، يرى هولمبو أنّ “مسألة التوقيت تُعدّ أقلّ اهمية قياساً إلى العميلة السياسية التي يُفترض أن تنتج عن هذا المؤتمرالدولي ، فهو ليس مجرد لقاء بل آلية من شانها أن تؤدي الى عملية سلمية، ويجب أن يكون النظام والمعارضة مستعدَّين لها”.

ويوضح: “لست متأكداً من أنّ الطرفين مستعدان الآن، وسط إعلان البعض أنّه يؤيد الحل السياسي في العلن ويرفضه في الخفاء، حتى أنّ بعض الجماعات المسلحة لم تقبل بالحلّ السياسي، ويبقى المهم العمل على اسس “جنيف – 2″ لتحقيق الغاية من انعقاده”. ويضيف: “إنّه لمن دواعي سروري رؤية جميع الفرقاء مستعدين للذهاب الى “جنيف – 2″ بغية مدّ اسس لسلام حقيقي في سوريا. ومن المهمّ إيجاد طرق تمنع الذين يعملون ضدّ عملية السلام من الوصول الى غايتهم”.

لبنانياً، يعي هولمبو حجم الاختلاف في الرأي بين الفرقاء السياسيين حول مستقبل لبنان، وإرخاء الازمة السورية بثقلها على الساحة اللبنانية. ويقول: “الدنمارك دولة صغيرة مثل لبنان وعدد سكانها خمسة ملايين نسمة، في حين أنّ عدد سكان جارتنا ألمانيا 80 مليون نسمة”، متسائلاً: “كيف لا نتأثر اذا ذهبت جارتنا الكبرى الى الحرب؟”.

ويذكّر أنّه “في الحرب العالمية الأولى استطعنا أن نكون حياديين لكن في الحرب العالمية الثانية لم ننجح في ذلك”. ويعتبر أنّه من “الطبيعي أن يتأثر لبنان بالازمة السورية، وأن لا يستطيع تحييد نفسه، ولكن على رغم خلافات الرأي في لبنان، لا احد يريد العودة الى الحرب الأهلية، الكلّ مدرك انّ الخلافات يجب حلّها بطريقة سياسية، وهذا دليل على نضج قادة لبنان ومصدر قوّة لهذا البلد”.

ويقرّ هولمبو بأنّ “استضافة لبنان نحو مليون ونصف لاجئ سوري يشكل ثقلاً كبيراً على كاهله وأمر له تداعياته الاقتصادية وانعكاساته على الإستقرار في هذا البلد”.

ويذكّر بأنّ بلاده من اكثر المانحين لجهة الاستجابة لحاجة اللاجئين السوريين في لبنان والاردن والعراق وحتى داخل سوريا، حيث “تبلغ مساهمتنا نحو 150 مليون دولار، وهو يعدّ رقماً كبيراً قياساً إلى حجم الشعب الدنماركي”.ويأسف هولمبو كون “لبنان متأثراً الى هذا النحو بالأزمة السورية ما يمنعه من المضي قُدماً في تشكيل حكومة”.

ويقول: “انا سعيد إذ إنّ لبنان استطاع حتى الآن تخطي قطوع النزاع السوري. فالمؤسسات الدستورية لا تزال تعمل بطريقة براغماتية”. وعلى رغم إقراره بصعوبة الاوضاع الاقتصادية وازديادها سوءاً وتوقعه أن “لا يتجاوز النموّ واحداً ونصفاً في المئة، نتيجة النزاع السوري، ولكن حتى الآن لبنان لم ينهَر” على حدّ تعبيره.

في الوقت عينه، يثمّن هولمبو تطوّر مستوى العلاقات الثنائية بين لبنان والدنمارك، سواء على الصعيد الثقافي أوالتجاري أوالعلاقة مع المجتمع المدني، أملاً في “مواصلة مسيرة سلفه السفير يان توب كريستنسن”.

ويبدي حرص الدنمارك على “بناء تفاهم جيد لمستقبل افضل بين الشعوب”، وينوّه بـ”تجربة التعاون بين الصف الثامن في مدرسة الانطونية في عجلتون وهي لديها صف شريك في الدانمارك، حيث يعتزم تلاميذ هذا الصف الذهاب الى الدنمارك السنة المقبلة لتعزيز فرص الحوار والتعاون مع نظرائهم الدنماركيين”. ويقول: “نتطلع الى مستقبل الأجيال، نحن مثل لبنان دولة صغيرة محاطة بدول كبرى، ونحاول مدّ جسور مع الدول البعيدة”.

ويختم هولمبو حديثه بلهجة تفاؤلية عن امكان تحقيق تغيير في لبنان، قائلاً: “المجتمع الدنماركي مبني على حسّ العدالة واحترام القوانين وحقوق الانسان واولئك الذين لا يمتثلون للعدالة هم مرفوضون من قبله. وعلى رغم قصر فترة تواجدي في لبنان، لمست النية القوية لدى اللبنانيين بتفعيل هذا الحسّ”.

ويذكّر أنّه في عام 1849، اتجهت الدنمارك نحو الديموقراطية البرلمانية، وقد استغرق استكمالها حتى عام 1953، فـ”الوصول الى الديموقراطية الكاملة لا يتحقق بين ليلة وضحاها”. كما يعتبر أنّ “أسس التغيير تنبعث من الشعب، فالعمل على مستوى القاعدة يتيح تحقيق الديموقراطية على المدى الطويل ويجعل المسؤولين يهابون المحاسبة الشعبية. وتجربتي في غزة ابلغ دليل على ذلك، فالناس في امكانهم مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم إذا اخطأوا”.

وعلى رغم الصعوبات التي يمرّ بها لبنان، يبقى امل هولمبو كبيراً بـ”تفاؤل وبراغماتية وانفتاح اللبنانيين”، و”هذه عناصر من شأنها قيادة بلدهم نحو النمو والازدهار”…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل