#adsense

الإنفتاح العوني… وأحلام الجنرال الرئاسية!

حجم الخط


أطلق «التيار الوطني الحر» منذ أكثر من اسبوعين حراكا أشبه ب»اعادة تموضع»، بدأه بلقاء كتلة رئيس «حركة أمل» ورئيس المجلس نبيه بري ضمن سلسلة لقاءات واسعة «لا تستثني أحدا» من القوى السياسية منذ فترة طويلة، مؤكدا انها من اجل تفعيل الحوار بهدف كسر الجمود السياسي وتفعيل مجلس النواب وتشكيل الحكومة وتجنب حصول فراغ في رئاسة الجمهورية…

في الظاهر، يبدو تحركا غير مسبوق بالنسبة للعونيين الذين يتموضعون منذ سبع سنوات في الفلك الذي يدور فيه «حزب الله» وأداروا ظهرهم للآخرين (باستثناء الأشهر الماضية من مرحلة «المشروع الارثوذوكسي»)، لا بل شنوا حرب «داحس والغبراء» على مدى سنوات ضد «تيار المستقبل» الذي التقوا وفدا منه الأسبوع الماضي، فيما بدا انه محاولة اصلاح ذات البين وخطب ود الشريك السني. وهذا ما حاول قوله النائب الآن عون الذي شارك في اللقاء، معلنا («اللواء» الاثنين الماضي) أن «التيار الوطني في الحكومة الجديدة لن يكون مقيّداً بأي اصطفاف سياسي، وسيتعامل مع الملفات، كلّ وفق متطلّباته»، وأن «التيار، بنهجه الجديد، يمكن أن يشكّل جسر تواصل لإيجاد حلول سياسية لمشاكل أطرافها «المستقبل» و»حزب الله» وغيرهم».

وكان ملفتا ما بدا انه بيت القصيد من اللقاء تأكيد عون أن «الحوار مع «المستقبل» قرار سيادي للتيار غير خاضع لموافقة حزب الله»، قائلاً: «إنفتاحنا على الآخرين غير موجّه ضده والتزامنا بالوثيقة الموقّعة معه لا تشكّل قيداً على تحرّكنا وتواصلنا مع الآخرين (…) كما أن التيار الوطني ليس مع مشاركة «حزب الله» وغيره في الأحداث السورية، وأن سلاح الحزب يُستوعب في الإستراتيجية الدفاعية، ودوره المشاركة في الدفاع عن لبنان وليس للتأثير في مسار العملية السياسية الداخلية».

كلام جديد، ولكن هل يشكل فعلا «نهج جديد» كما اعلن ألان عون؟ وهل ان التيار عازم فعلا على اعادة النظر بعلاقته ب»حزب الله»؟

كانت لقاءات ومشاورات التيار تقتصر بشكل أساسي وشبه حصري على الحليف «حزب الله»، فيما كان يضطر للتعاطي (والتناكف) مع «حليف حليفه» بري، وكذلك لاظهار ود مفقود لسليمان فرنجيه، حليف الحليف الآخر السوري، الذي ادى تدهور العلاقات معه مؤخرا الى تدخل أحد سعاة الخير لجمع الجنرال ميشال عون ومصالحته مع رئيس تيار «المردة»… كما ان عون ذهب بعيدا في دفاعه منذ بدايات الثورة السورية عن نظام بشار الأسد (الكل يتذكر «الثلاثاء القادم ستحسم المعركة، ثم الثلاثاء الذي يليه…؟!).

فما هي أسباب هذا الانفتاح المفاجىء والخجول، الذي لا يخلو من الارباك وعدم وضوح في الرؤية، على تيار سعد الحريري من قبل من ساند واصطف في جانب «محور المقاومة والممانعة» داخليا واقليميا، وحاول اللعب على وتر التطرف الاصولي السني، وقاد عملية الانقلاب على حكومة الحريري من الرابية؟ وهل ان دوافعه هي محض داخلية او لها ما يبررها اقليميا؟

أحد الوجوه العونية الحكومية لفت الى ان هذا التحرك «الانفتاحي» سبقه قبل أشهر مبادرة صهر الجنرال وزير الطاقة جبران باسيل الى زيارة السفير السعودي علي عواض عسيري، ممهدا بذلك الطريق على خط الرابية، واعلان عون عن استعداده لزيارة السعودية في اي وقت. وقد حصل هذا التطور بالتزامن مع انخراط «حزب الله» في القتال دفاعا عن نظام بشار الأسد الذي كان محاصرا في دمشق التي كانت معرضة للسقوط في أيدي «الجيش السوري الحر» بحسب ما اعلن يومها أمين عام «حزب الله» نفسه حسن نصرالله.

ويؤكد القيادي العوني، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، ان اعلان «حزب الله» عن تورطه في القتال الى جانب النظام قد خلق ارباكا في صفوف «التيار» وفي لحظة كان ميزان القوى يميل لصالح مقاتلي المعارضة، وتحديدا ما تبعه لاحقا من استعمال النظام للسلاح الكيماوي واعلان الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية له. وفي الوقت عينه بدأ يشعر الجنرال انه يفقد زمام المبادرة على الصعيد الداخلي، خصوصا وان «حكومة العشر وزارات المسيحية ومشاريع الأكثرية العونية» ذهبت مع الريح ولا من حكومة جديدة في الأفق.

ان هم عون يبدو منصبا هذه الأيام على انقاذ «مشاريع صهره» في النفط التي يعتبر انها باتت طريقه وامله الوحيد الى النيابة: «من يعرقل استخراج النفط ومن لا يريد تلزيمه يعمل على افلاس لبنان… من يريد خنق لبنان سنخنقه وهذا حقنا».
من يراقب هذه الأيام خطابات وتصريحات عون يلاحظ انها تقتصر على الأمور الداخلية، فيما تغيب بشكل كبير المواقف من التطورات الاقليمية. وفي هذا السياق، يرى الوزير العوني ان اللعبة باتت أكبر منا وتتخطى حدود قدرة لبنان على الفعل او التأثير، لا في مواجهة هذا المعسكر او ذاك على الصعيد الأقليمي، ولا في قدرة للبنانيين على التاثير في مجرى الأحداث في سوريا، فلماذا الاصطفاف… لذلك هو يعتبر ان هدف التحرك العوني هو محاولة فتح كوة في جدار التواجه بين الطرفين من أحل اعادة تفعيل الحوار لتأمين حد أدنى من القدرة على حماية الوضع الداخلي، والعمل أقله على تسيير امور الناس المعيشية.

الا ان التعقيدات الداخلية وانسداد الافق في المدى المنظور خاصة فيما يتعلق بامكانية تشكيل حكومة جديدة، قد وضعت التيار العوني في موقف لا يحسد عليه. اذ ان ما لم يقله محدثنا، او ما قاله بين السطور، هو ان حدة المواجهة بين «حزب الله» و»تيار المستقبل» قد حولت العونيين الى رقم غير ذي وزن أو جدوى، خصوصا على ضوء ما استنتجه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة من لقاءاته الأخيرة مع بري، بحسب ما نقل عنه مقربون منه، انه بات مقتنعا ان «حزب الله» لن يلتزم بأي اتفاق او صيغة عمل او ضوابط ضمن حكومة مشتركة، وان رئيس المحلس لا يمون على الحزب في هذا المجال.

أما على الصعيد المسيحي، فلا تبدو الأمور أفضل رغم لجوء عون الى استعمال التيارات التكفيرية التي يشتد عنفها في سوريا ك»فزاعة» لتخويف المسيحيين، وعقد المؤتمرات لما سمي بالمسيحيين المشرقيين، والذين تبين ان معظم من شارك منهم هو من مؤيدي النظام السوري، في لبنان وسوريا وبعض العرب… وقد ظهر في هذا الاطار تراجع حماسة البطريركية المارونية لهذا النهج والتزامها مؤخرا الصمت، وموقفا أكثر حذرا وانحيازا لنهج رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بايعاز على ما يبدو من سلطات الفاتيكان، الذي زاره البطريرك بشاره الراعي الأسبوع الماضي. ناهيك عن الموقف اللافتة والجريئة التي أطلقها سليمان أمس من بكركي بالذات، مناشدا المسيحيين «عدم التقوقع والانعزال لانهما ليسا من شيمهم، وعدم الاعتماد على الحمايات الأجنبية الوهمية والانظمة المتسلطة، وعدم الركون الى فكرة تحالف الاقليات من أجل بقائهم في الشرق».

ماذا يبقى في الأفق اذن أمام عون وتياره؟ ان محاولة التموضع في وسط المشهد السياسي الآن تهدف الى التركيز والاستعداد لانتخابات رئاسة الجمهورية اذا حصلت، كونها الفرصة الأخيرة – اقله نظريا – للجنرال (78 سنة) المشتاق للعودة الى قصر بعبدا كرئيس اصيل ومنتخب، وليس كرئيس حكومة عسكرية معين. يلوح في الأفق اتفاق اميركي-اوروبي-ايراني حول النووي وضمنا حول سوريا، اتفاق من شأنه ان يحمل معه تسوية للوضع اللبناني في الأشهر القليلة المقبلة. ان عون يحلم ان يكون رجل التسوية هذه، فهو حاصل باعتقاده على تأييد «حزب الله» والمحور الايراني. ولذلك، هو يراهن على ان تموضعه في الوسط ومحاولة تقربه من الحريري وفتح خط التواصل مع السعودية، سيكسبه تأييد واشنطن وباريس…
اما اذا تحول الحلم الى سراب؟!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل