لم تفاجئ مواقف السيد حسن نصر الله في خطابات التاسع والعاشر من محرّم وردات الفعل الفورية التي حمَلتها تصريحات رئيس تيّار «المستقبل»، فما كان مغلّفاً بغطاء وشعارات لبنانية قد سقط وانتقل الجميع الى حضن المحاور المتنازعة على الساحة السورية مباشرة. فما الذي يمكن توقعه في الأيام المقبلة؟
من الواضح أنّ كل الدعوات التي أُطلقت أو تلك التي يمكن أن تصدر في الأيام القليلة المقبلة لتأليف حكومة جديدة والسعي الى تركيب طاولة حوار لترتيب البيت اللبناني عشية الإستحقاق الرئاسي، باتت مجرد أحلام تُقارب الخرافات. فكلّ النزاعات المستترة تحت الطاولة باتت فوقها، ولم يعد هناك من حاجة الى تغليف ما يجري على الساحة اللبنانية بعناوين وملفات لبنانية محلية تحت شعارات الحرص على المؤسسات الدستورية والعمل على إحيائها على ابواب الإستحقاق الرئاسي.
ما كشَفه نصرالله أنهى وجود ايّ رمز للمؤسسات الرسمية في حساباته الآنية، فلبنان محطة خلفيّة للنزاع السوري. والمعركة التي يقودها الحزب في سوريا لم تعد بحاجة الى مَن يغطيها في لبنان لا على المستوى الحكومي ولا السياسي ولا الحزبي ولا المسيحي بالتأكيد. فما وفّره “التيار الوطني الحر” في “وثيقة مار مخايل” مثلاً ومعه عدد من الحلفاء الآخرين من القوى المسيحية وبعض الأحزاب والجمعيات الإسلامية السنّية لم يعد حاجة ملحة، وبات من محطات تاريخية سابقة. وثمّة من يقول إنّ الصورة الجامعة لوفد “حزب الله” مع ايّ منهم لم تعد ضرورية إطلاقاً، وبات الحضور العلني لنصرالله بين الجماهير مظهراً عادياً لا يستفزّ أحداً في الخارج إلّا انه يمسّ مشاعر الجماهير التي احتشدت بعشرات الأولوف للحظات، وكفى.
في المقابل شكلت ردود الحريري وقادة تيار “المستقبل” إعلاناً عن طلاق محتمل، إزاء كلّ ما يجري على الساحة اللبنانية، فالمساعي التي بذلها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وسلسلة المشاريع التي اقترحها الرئيس المكلف تمام سلام والصيغ الحكومية التي “ركبها” رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وتولّى رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط تسويقها على اساس انه “بيضة القبان” في معادلة الأكثرية والأقلية النيابية، باتت في سلة واحدة من تاريخ المرحلة التي سبقت إحتفالات عاشوراء لهذا العام. وثمّة من ينصح بجمعها على اساس انها من الوثائق التي يمكن العودة اليها متى سمحت الظروف بإعادة البحث في ما يعيد تكوين المؤسسات الدستورية في البلاد، إذا ما سُمح للبنانيين بإعادة بناء ما هدّمته الحرب السورية منذ تورط بعض اللبنانيين فيها بالسلاح والمال او بالمقاتلين من دون رادع.
على هذه الخلفيات بلغت اللغة التشاؤمية اوساطاً سياسية مسيحية، كانت تراقب التطورات عن قرب، وتحاول البحث عن مبادرة ما تعيد وصل ما انقطع بين اللبنانيين، والعمل لرأب الصدع الإسلامي – الإسلامي، او بالأحرى السنّي – الشيعي، الذي بات يهدد وحدة اللبنانيين الهشة، وخصوصاً عندما تحوّلت بقية المكونات اللبنانية الطائفية مجرد أغطية وطنية شفافة تلقي بظلالها “الوطنية” على اشكال التحالفات الداخلية منعاً من الوصول الى مرحلة الإنشقاق المذهبي الذي بات بعد الحرب السورية عنوان كلّ موقف، تظلله الرعاية الإيرانية من جهة والرعاية السعودية من جهة أخرى، ومن ورائهما الأحلاف الدولية التي ما زالت في مرحلة البحث عن خريطة جديدة للمنطقة واعادة تكوين قواها الطائفية والسياسية، وربما الدول.
ومن هذه المنطلقات ارتفع منسوب القلق لدى البعض، الى الحدود القصوى في ظلّ النزاع الذي بات على ابواب المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية – السورية بقاعاً من شماله الى اقصى الجنوب والبقاع الغربي كما في الضاحية الجنوبية وبيروت. وإذا كانت الإعتداءات السورية التي تقاسمها النظام جواً والمعارضة السورية براً على قرى البقاعين الأوسط والشمالي قد حظيت بالتغطية الإعلامية، فإنّ ما يشهده البقاع الغربي وراشيا من إحتقان مذهبي من نوع آخر، على خلفية ما يجري خلف جبل الشيخ الى الجهة السورية من الحدود، يُعتبر أكثر خطورة. فهناك من رأى أنّ الحشود التي ملأت الضاحية في عاشوراء شكلت إنذاراً باحتمال الانتقال الى وسط بيروت في ساعات قليلة لتعلن عن “واقعة 7 ايار جديدة” من دون طلقة نار واحدة. فهل هناك من يتعظ ليستدرك ما هو آت، والله أعلم!؟