#adsense

المقايضة القاتلة

حجم الخط

بعد يومين أو ثلاثة من خطابَي زعيم “حزب الله” لمناسبة عاشوراء، يفشل أيّ متابع ومدقّق في العثور على مصلحة أو إيجابيّة واحدة للبنان واللبنانيّين .

كان السيّد حسن نصرالله يُضمّن خطبه السابقة فكرةً ما، أو إقتراحاً، أو شيئاً من مدّ اليد، أو محاولة للتفاهم والحوار على مسألة معيّنة. كان فيها شيء أو لون من لبنان. هذه المرّة لم يأتِ إلاّ بالرفض والابتعاد والتفرّد والانغماس في وحول الحرب على حساب لبنان. ولم يكن في كلامه شيء من اللبنانيّة.

ولعلّ الأسوأ في خطابه الأخير، ليس فقط رفض رأي أو موقف أوغطاء شريكه اللبناني، أمس واليوم وغداً، بما يؤكّد قراره الطلاق مع نصف لبنان على الأقل، والتوغّل بعيداً في مشاريع الآخرين، بل تلك المعادلة الخطيرة التي أعلنها بدون أن يرفَّ له جفن:

لقد رفض أن يقايض “سوريّا وفلسطين ولبنان ومحورالمقاومة والمقاومة” ببضع حقائب وزاريّة، كما قال.

أي أنّ أولويّته هي النظام السوري وليس النظام اللبناني، ومن هناك إلى الأصل، جمهوريّة الفقيه ومشروع الهلال، وليست إضافة فلسطين و”المقاومة” سوى شرط أوأداة من أدوات اللعبة، كي يوهم البسطاء بأنّ طريق فلسطين تمرّ بدمشق، وبسلاحه المنتشر من أقصى لبنان وسوريّا إلى أقصاهما، إلاّ في المناطق المتاخمة لإسرائيل من الجولان إلى الجنوب. ويقرع الذاكرة هنا وعدُه بتحريرالجولان، فأين صار؟

في الواقع، هو يفعل عكس ما يُعلن: كانت طريق فلسطين أقرب حين كان في الجنوب، وابتعدت كثيراً الآن بعدما أدار ظهره إلى القبلة ووجهه إلى الشمال، لقتال السوريّين في عمق سوريّا، واللبنانيّين في عمق لبنان.

حين كان في الجنوب، في مواجهة إسرائيل، ولو عبر “مقاومة وممانعة” مشكوك فيهما في السنوات السبع الأخيرة على الأقلّ، كان يحتجب وراء الشاشة من الملجأ الذي اختاره، وهو اختيار مشكوك فيه وفي دوافعه أيضاً، بينما الآن يكرّر خروجه العلني المديد والمرتاح أمام الشاشة، مكشوف الجسم أمام “غريمه”، ومكشوف الرأس أمام طيران “عدوّه”!

فمن أين أتى هذا الإطمئنان إلى نيّة إسرائيل، ومن أين جاءت هذه الثقة الطارئة؟ أليس بعد طيّه الفعلي ورقة العداء “الأبدي” وانخراطه في خدمة هذا العدوّ، من حيث يدري أو لا يدري، عبر تأجيجه حروب الداخل العربي والإسلامي؟ وماذا تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟!

إلاّ أنّ المقايضة القاتلة التي أرادها نصرالله، أو أُريدت له، هي قبوله بمقايضة نصف لبنان، وعمليّاً كلّ لبنان، بدعم نظام الأسد ومشروع إيران. لا يعنيه أن تنهار مؤسّسات لبنان وينتهي كدولة ووطن. دولته ووطنه ليسا من هذا العالم اللبناني. ولا تعنيه حكومة للبنانيّين إذا لم تكن مجرّد حلقة في المشروع الخارجي.

يبيع لبنان كرمى لنظامَي الأسد والفقيه. يخسر نفسه ولا يربح العالم.

قال للبنانيّين بكلّ غطرسة: لا أطمح إلى المشاركة مع سواي في حكمكم، أريد حقائبكم فقط لأشحنكم فيها إلى حرب مولاي وسيّدي وقائدي. أرغب في أخذكم رهائن للسياسة الحربيّة التي كُلِّفت بها “تكليفاً شرعيّاً”. أطمع في تحويلكم متاريس بشريّة وشرعيّة في حربي الجديدة “المقدّسة”. أرحتكم من حروبي العبثيّة مع إسرائيل، فتعالوا إلى حربي الدهريّة في سوريّا.

لو كان نصرالله يتعفّف ويزهد في حفنة من المقاعد الوزاريّة لهان الأمر. يدع الرئيس المكلّف يشكّل حكومته بدون الشروط التعجيزيّة، من أثلاث وأرقام وأحجام، وينصرف هو إلى حربه في سوريّا.

لكنّه يريد البيضة وقشرتها، الحكومة والحرب معاً، ويضع اللبنانيّين أمام الأمر الواقع: أنا باق باق في سوريّا، وباق باق على رقابكم. إمّا ترضخون وإمّا تندبون لبنان، وفي الحالتين ستندبونه، فلبنان ليس أغلى من “جبهة الممانعة والمقاومة”، بل هو ثمن زهيد في الجهادَيْن الأصغر والأكبر.

في الواقع، هذه مجازفة مصيريّة لا تعبّر عن القوّة والثقة وامتلاك القرار والإرادة، بل هي انتحار خالص. والمعروف أنّ المنتحر يكتفي عموماً بقتل نفسه، إلاّ في حالات الجنون القصوى وساعات التخلّي الكبرى، فيلجأ إلى الانتحار الجماعي، كما في السيرة الشمشونيّة.

مع فارق كبير في حالة “حزب الله” القائل في سرّه وعلنه: عليّ وعلى شركائي (وربّما أعدائي) يا…فقيه!

.. والأمل الباقي للبنان أن ينجو من ساعة التخلّي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل