#adsense

صالحونا وإلّا قاتلناكم!

حجم الخط
يبدو أنّ محطة جديدة في تاريخ المنطقة العربية آتية من شأنها أن تمحو المشهدية السياسية والعسكرية التي عرفناها منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وتلك المرحلة التي أفرزت دولاً وأنظمة عربية انتهت إلى حياة حزبية عائلية تحكم وتقبض على أزمة الحكم لعشرات من السنين كلما تماهَت مع إرادة الدول العظمى أو مصالحها، وإذا واجهتها إجتاحها التغيير.

وقد كان للبنان الدولة، النصيب الأوفر من سوء حكم بعض الأنظمة العربية، حيث كان يتراوح تدخّلها أحياناً بالمال، أو بإشعال الحروب أو بالإحتلال العسكري المباشر.

وإذا كان للغرب بالتوازي تاريخ في إدارة النزاع في الشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالحه، بدءاً من تفتيت كل قوى المواجهة مع الغرب وإسرائيل من تكفيريين ومن القوى الإيرانية أينما وجدت، بدءاً بـ”الحرس الثوري” الإيراني ونظام الرئيس بشار الأسد بجيشه وأسلحته الكيماوية التي وضع الغرب اليد عليها، وصولاً إلى مقاتلي “حزب الله” والمقاتلين الشيعة العراقيين. فإنّ المصالح الأخرى تتراوح بين نزاع على خطوط الغاز وحسن إدارة النفط العربي ومحاولة تطويق أي نظام جديد في المنطقة لا يرضى عنه الغرب الموجود بقوّة في الشرق الأوسط، سواء بموافقة هذه الدول أو من خلال الوجود الإستخباراتي.

وفي خضمّ النزاع العسكري الدائر في سوريا مع ما استقطب من اصطفافات دولية عسكرياً وسياسياً، فإنّ الإتفاقات المَنوي عقدها بين طهران ووكالة الطاقة الذريّة تحت ضغط الدوَل 5+1 (أي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين وفرنسا، زائداً ألمانيا) وكذلك مؤتمر “جنيف ـ 2” المنوي عقده، كلّ هذا قد يغيّر وجه الشرق الأوسط الذي سيكون مختلفاً عمّا عرفناه في الأمس واليوم.

فالإتفاق النووي الإيراني قد يجعل من إيران قوة يتعايش معها الغرب بما يجعل القوى المؤثرة في الشرق الأوسط ثلاث، أبرزها إسرائيل تليها إيران ثم الدول العربية، التي إذا وجدت نفسها مستضعفة ستؤسس كونفدرالية خليجية ينضمّ إليها كل صاحب مصلحة في ذلك، مثلما فعلت الأردن والمغرب عندما انضمّتا أخيراً إلى مجلس التعاون الخليجي، إلّا إذا تمكن الغرب من تطويع إيران في المسألة النووية بعد النتائج التي حققتها العقوبات، وذلك لتجنيبها حرباً محتملة ووَقف تنفيذ العقوبات الإقتصادية والمالية عليها.

هذا ما ستوضحه الفترة المقبلة إذا تمّ توقيع هذا الإتفاق الذي قد يكرّس “باباً عالياً” جديداً في المنطقة. أمّا الإتفاق الذي تشتهيه إيران فتعارضه إسرائيل وكذلك يعارضه الكونغرس في غالبيته غير المؤيدة للرئيس الأميركي باراك أوباما، وتعارضه أيضاً بعض الدول العربية لأنه قد يتمّ على حسابها.

فهذا الإتفاق يجيّش له الرئيس الأميركي تجنّباً للحرب وانعكاساتها على المنطقة، وعلى الولايات المتحدة الأميركية بالذات، بعدما هدّدت إيران بتدمير المنطقة كلها بدءاً من الخليج وصولاً إلى إسرائيل في حال وجِّهت ضربة عسكرية لسوريا لإطاحة نظام الأسد. في حين يرى معارضو هذا الإتفاق أن إيران عاجزة عن تنفيذ تهديداتها، بل يجب توجيه ضربة عسكرية إليها لوَقف نفوذها الذي يمتد الى دول عربية عدة (العراق، سوريا، لبنان، البحرين…)

أما مؤتمر “جنيف ـ 2” الذي تتقدم فرَص انعقاده مع تأليف قوى المعارضة حكومة قد يكون لها دور في المرحلة الإنتقالية التي تهيّىء لنَقل النظام في سوريا إلى نظام يكون مبنيّاً على قواعد الدولة المدنية والديموقراطية، حيث يبدو أن هذا المسار تعترضه عوائق جمّة، ليس أقلها إقفال الطريق على التكفيريين كما فعل الأكراد في مناطق “حكمهم الذاتي” الحالي، والقدرة على بناء جيش جديد يحمي هذه الدولة من خطر العودة إلى نموذج الحكم الحالي، والقدرة على بناء دولة تعيش الإزدهار والرقيّ بدلاً من الإستبداد.

أمّا لبنان الغارق في وحول هذا التغيير والمنزلق الى هذه الحروب، والعالق بين الفراغ الدستوري على مستوى الحكومة، وربما على مستوى الرئاسة في المستقبل القريب، فهو ينتظر نتائج “جنيف ـ 2″، والإتفاق النووي الإيراني الذي قد يكرّس حالات إيرانية وعربية يذوب فيها من ليس داخلاً في هذين الإصطفافين.

ولأنّ آثار هذه الإتفاقات ستشمل الوضع اللبناني، فإن الجميع بات متمسكاً بالقدرة على التعطيل إذا لم يتمكن من الإنتصار، وليس طرح نموذج حكومة 9+9+6 إلّا شكلاً من أشكال التعطيل، ناهيك بالخطابات النارية التي تتمحور حول قاعدة “صالحونا وإلّا قاتلناكم” (كشعار جديد يظلّل الإتفاقات المَنوي توقيعها). إضافة إلى الفراغ المحتمل في سدة الرئاسة، ما يشكل صورة مضافة عن التعطيل الذي يكاد يمتد الى جسم الدولة كله بما لم تتمكن الحرب الأهلية منه، فتنتهي أحلام الشرفاء الذي بَنوا هذه الدولة، وتزول نضالات الأجداد، ويصبح مفهوم الدولة والإنسان تفصيلاً صغيراً في حسابات الكبار، أمّا تشجيع رئيس الجمهورية على تأليف حكومة، فدونه عقبات لأنّ “حزب الله” قادر على تعطيل البلد في ظل وجوده داخل الحكومة أو خارجها، ولذلك يقتضي اختيار “أفضل الشرّين” وتأليف حكومة حيادية تتسلّم زمام السلطة في حال حصول الفراغ في سدة الرئاسة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل