فهؤلاء ومن باب الشيزوفرانيا والانفصامات، والانقلاعات والانشراخات النفسية والاجتماعية والسياسية يتحدثون عن “الخارج” وكأنهم “من الداخل” يتحدثون عن “الخارج” وكأنهم “نبات” سري طلع من تراب هذه الأرض، ومن حدودها ومن تاريخها وشعبها. وخصومهم هم الذين يخونونها! (خصوم اليوم حلفاء الغد، والعكس صحيح) . لكن عبقرياتهم “الفائضة” (كسلاحهم تُزّين لهم انهم على انسجام وأمراضَهم وادعاءِاتهم وهلوساتِهم (انها من أعراض الجنة) وانهم هم كل الداخل، وسواهم كل الخارج. ومن أجل ان تستكمل هذه “الحلقة” يجب عليهم ان ينسوا من انشأهم. ومن “رَعْرَعَهم” ومَنْ “قوّتهم” ومن استنسخهم، ومن استلحقهم ! حزب الله يلعب على أوتار الذاكرة المقطوعة. صنيعة ايران وولاية الفقيه والجمهورية الاسلامية (قناع للقومية الفارسية المعادية للعرب) هذه “الصنائع” الايرانية المفبركة في الخارج و”المموسقة” في بلاد بني ساسان والخاضعة لبلاطات الولي الفقيه (هذا الفقير المتواضع بـ 99 مليار دولار! بس؟) والمستولدة من أقبية المخابرات والباسدران يعني في ذلك الحرس الثوري (أكبر ظاهرة فساد شهدتها ايران منذ قيامها) والممولة من دم الشعب الإيراني ومن عَرَقه، ومن قهره، ومن حرمانه ومن لقمته هذه الصنائع اللبنانية المزيفة التي لم يعد لها من بلادها… سوى لهجة “مُفَصّدة” او نبرة مشروخة. حزب الله هذه “الصنيعة” الجميلة (أو الدمية المعدنية) التي فبركتها ايران “الثورة”. هي التي تنصح أكثرية اللبنانيين بأن يكونوا “صُنِع في لبنان” أو ليس هذه حال الميليشيات التي مرت بنا على امتداد عشرين عاماً، والتي كانت أيضاً، بواجهات محلية مجرد فبركات خارجية، استخدمت لتدمير البلد وتقويض الدولة واشعال الفتن واثارة الطائفية، خدمة لهذا الخارج سواء كان “عربياً” أو “اسرائيلياً” أو اعجمياً… أو لم تنتحل كل الميليشيات السالفة الذكر القابَ المقاومة من شعبية ولبنانية وفلسطينية وعروبية… لكي تفتح الدروب واسعة لطموحات الخارج، أو أطماعه، أو وصاياته، أو هيمناته على لبنان. واجهات، أقنعة. كواليس فارغة. دم. قتل. مذابح. قمع. قهر. خيانة. ارتزاق. تنكر للبلاد. كانتونات. مشاريع تقسيم. دويلات. كل ذلك عرفناه وخبرناه على امتداد حروب أنظمة الطغاة واسرائيل وأميركا علينا. وكانت تلك الميليشيات المرتهنة بقضّها وقضيضها، بحظائر الخارج تخوّن أيضاً (كحزب الله اليوم) من لم يكن يوافقها عمالتها او يتصدى لها. “أنت غير لبناني” انت غير وطني”. “انت غير عربي”، “انت انعزالي”… وقد ورث الحزب هذا الارث بذهنية التلامذة النجباء. كانت من “قدره” الرائع ان تختاره ايران “الثورة” وان تختاره له “اسمه” (الله) وعقيدته (ولاية الفقيه) وسلاحه وميزانياته الضخمة… ودوره. أقصد كيف يمكن ان تخترق إيران لبنان والعالم العربي بغير الصنيعة الهجناء، اي استراتيجيته القائمة على ما خبرنا وعرفنا: ضرب فكرة العروبة أولاً. واللبنانية والكيان واستحضار الكانتونية ومشاريع التقسيم استلهاماً بمشاريع اسرائيل. واثارة الفتنة الطائفية ثم المذهبية… كل هذه العلامات الساطعة ارتضعها الحزب حليباً ومالاً وسلاحاً وسطوةً.. وعنفاً من “أمه”الحنون ايران ومن الارث الصهيوني، ومن جنون الطغاة العرب ومن كل ما هو شرير في تجارب القرن العشرين..
مع هذا ها هو الحزب “الخوارجي” يتهم اكثرية اللبنانيين بالمراهنة على الخارج، مبرئاً نفسه من هذه التهمة الظالمة. حزب الخارج، من الفه إلى يائه، “يدين” المراهنة على الخارج. الحزب الذي يراهن عليه الخارج لتدمير كل ما هو ديموقراطي وسيادي واستقلالي وعروبي وتاريخي وكياني في لبنان. يحذر “الآخرين” من هذا الشر المبين! شيزوفرانيا؟ أكثر! عصفورية يا ريت!
ولأن “مكافحة” التدخل الخارجي من مِهنه “غير الحرة” ومن تكليفات الخارج فيجب ان يُنَوَّع مصادرَ هذا الخارج. فأميركا كانت هي “الشيطان” وابليس ويهوذا.. وكل من اعتبره الحزب حليفاً لها هو شيطان وخائن. واسرائيل كذلك. لكن اسرائيل حالة خاصة.. فيجب ان تبقى في “إعلام” الحزب العدو المهدد الدائم أبداً (ولو تقاطع معها في عدة مواقع ومواقف كما هي سوريا اليوم، لكي يُيرّر ابقاء سلاحه لمحاربة هذا العدو الاسرائيلي الذي لم يدنُ تدخله في سوريا دفاعاً عن النظام البائد! على هذا الاساس تبقى اسرائيل موجودة ابداً لكي تبقى “المقاومة” موجودة ابداً، وتالياً لكي تتقاسم الدولتان الفارسية والصهيونية ما يتيسر من سطوة ومصالح وهيمنة على لبنان وسوريا.. وصولاً إلى اليمن وعراق “المالكي”! لكن مع هذا لا تكفي ان تكون الدولة العبرية.. عدواًَ ابدياً. فمن اجل الاستفادة من هذه “العداوة” “الصديقة” والضرورية وتخريب الامة العربية، يجب الاستمرار في اختراع أعداء من العرب. بالأمس كانت مصر في الواجهة ، سقط النظام المصري، ولم تربح اسرائيل ولا ايران. ثم قطر. فبعد “شكراً قطر” و”قَطَرَ القطر” و”جادك الغيث”… اعيدت هذه الأخيرة إلى خريطة الأعداء. يخف التركيز على قطر مرحلياً… فتبرز اليوم السعودية. انها العدو الأكبر. حُيدت اميركا.. ووضعت اسرائيل في ثلاجة “الاعلام”.. الاحتياطي لاحلال السعودية محلها والغريب المضحك ان السعودية كانت تُتَّهم بأنها “قاعدة أميركية” وبأنها تنقذ المصالح الأميركية. وبأنها على خط المواجهة مع “الممانعة”! وحتى مع المقاومة… لكن اليوم يكيل الحزب المدائح والتهاليل والتواشيح والتراتيل احتفالاً بتقارب ايران أميركا . التقارب أو الحرب! هذا ما قاله السيد حسن نصرالله! اليوم التقارب مع أميركا يمنع الحرب… وأمس كان التقارب وأميركا من عمل الشيطان والخونة. احتفال بلاغي أجوف بهذا التلاقي الذي سيصطدم بالطرق المسدودة. عال! ولكن اذا صادقوا اميركا… أو لا يجب ان يحل محلها عدو آخر، اقصد عدواً خارجياً آخر. نعم! ولم لا تكون السعودية (أو فرنسا اليوم أو بريطانيا غداً) . عابوا على السعودية “تحالفها” وأميركا.. وها هم في تقاربهم… يشمتون بها وكأنهم هم الذين ربحوا جائزة اللوتو الأميركية.. وإذا كان لرئيس الجمهورية اللبنانية ان يزور المملكة فهذا يعتبر نكبة وطنية وامعاناً في رهن “البلد” بالخارج. وعندما اُجلّت زيارة الرئيس… استيقظت في بعض عملاء ايران والنظام السوري… مشاعر “السيادة والوطنية” ثم وعندما لبى الدعوة… استنفرت حناجر الاستنكار وحتى الادانة. ايزور رئيس البلاد قطراً عربياً شقيقاً من دون ان يأخذ اذناَ من جمهورية الضواحي الفارسية! أكثر: وصل الأمر بجماعة الحزب إلى حد تهديد العرب.. والخليج. باسم من؟ فخرب مُفترض انه “لبناني” يهدد باسم ايران دولاً عربية. “انتفختم” كثيراً بنرجسياتكم. شيء بيفقع من الضحك! اجراء عند دولة خارجية… يصنفون على هوى ايران، بعض الدول العربية في خانة الاعداء. أكثر: يسحبون هذا التصنيف على “خصومهم” في الداخل. أي 14 آذار. ويرفعون اصابع “التهديد” (المستعارة) بقطع الأيدي والرؤوس، وقلب الطاولات وتهديم جبل صنين… واقتلاع غابة الأرز.. وتجفيف جعيتا! واستعادة لائحة الاغتيالات. (لا تنسوا ان من ادبيات الحزب وثقافته الفقهية يحتل القتل مكانة أولوية وبارزة) والتذكير بـ 7 أيار الشاروني وبغزوة الجبل… رائع! كل هذا لأن الحزب “يرفض” الارتباط بالخارج (لأنه سيادي) ويرفض كل المرتبطين به! فهو من أرومة لبنانية عربية نقية نقاء سرائرهم! اذاً علينا اليوم، ان نعتبر ان أميركا لم تعد “شيطاناً” (ولا اسرائيل في المضمون) والدليل ان حزب المقاومة حفظ الدرس الايراني جيداً في تدخله في سوريا: اياكم ان تقربوا من الجولان المحتل. لا تزعجوا اسرائيل أو تكدروا هناءة جنودها المحتلين مفهوم؟ حاضر) علينا ان نفهم ان الشيطان انتقل من الولايات المتحدة الأميركية ليحل في الخليج تحديداً في السعودية والكلمة المعلنة وكلمة سر: هذا هو الشيطان، أحلّوه بحقد تاريخي محلّ كل اعدائنا. مقاومتنا تجاهد في سوريا وتريد ان تنتصر هناك وانتم عليكم بالابليس الجديد. بنفطه. وناسه. ومقيميه ودوره وتاريخه. فلم تعد اسرائيل هي الخطر. ولا أميركا ولا ربما أوروبا… هنا الخطر الكامن. وانسوا القاعدة.. والتكفيريين.. فهؤلاء من “عندياتنا” مثل “حلفائنا” في لبنان واليمن وسوريا والعراق. هؤلاء لا يقلون خدمة وقرباً منا من السلفيين والنصرة والتكفيريين وداعش (فهم من تمويل ايران ومصدرهم النظام السوري). هؤلاء لا تخافوهم انهم من صادراتنا الايمانية التي تنتجها ايراننا الحبيبة! الحاضنة. الدافئة. المكافئة. شعلة الحرية والحضارة! ولأن “انبياء” الحزب “وعرافيه” وسكان “هياكله” لا يخطئون في تقديراتهم وفي حساباتهم. وفي “استشرافاتهم” فها هم اليوم، كأنما يعلنون انتصارهم في سوريا، وامس اخذوا على 14 آذار استعجالهم في اعلان سقوط النظام السوري. انتصارهم على من؟ على عشرين مليون سوري! اف! اين؟ على دماء مئات الألوف من السوريين. كيف: على حطام مدن وقرى سورية تعد بالآلاف (طبعاً ليس في الجولان: فهي ليست اليوم من الأولويات لا هي ولا مزارع شبعا!) وها هم يرفعون اشارات النصر ككل مرة، بعدما رفعها بعض القيادات الايرانية معلنين نهاية النظام. فهذا النصر (كبتوع تموز و7 أيار ومتفجرات سماحة مملوك، وتفجير السيارتين امام مسجدين في طرابلس والكيماوي). يجب ان يقبض ثمنه في ايران ولم لا في لبنان وسوريا. (يقال ان سوريا صارت محمية ايرانية!) هذا الثمن الحالي فرض حكومة أمر واقع لا تختلف عن حكومة قمصان السود الميقاتية. بشروط اقبح تتمثل بحكومة تتبنى تدخلهم في سوريا وتشرعنه وتقدمه اي على كل اللبنانيين ان يغطوا تكليف ايران الشرعي لحزب الله بالتدخل العسكري دفاعاً عن النظام (عفواً عن مقام السيدة زينب!) تماماً كما اراد الحزب ان يغطوا غزوهم الاجرامي لبيروت والجبل في 7 أيار. لكي تبرئونا! نهرق دماءكم لكي تغسلوا ايدينا الملطخة به. حكومة كما نريد او قطع الرؤوس. والأيدي والأرجل. (انها لغة الطغاة الآفلين!) واتهام السعودية (وحتى اسرائيل من باب رفع عتب اعلامي) بعرقلة تأليف الحكومة (صحف الحزب و8 آذار السوداء تشارك بحس سيادي وطني بهذه الأهزوجة!) يعني ترى ان اكثرية الشعب اللبناني يجب ان تكون على شاكلة الحزب مجرد أدوات. (وكل خؤون للخؤون نسيب!) والا فلنلغ هذه الأكثرية (لن يفعلها الولي الفقيه في الثورة الايرانية الخضراء ويفعلها النظام السوري او ما تبقى منه)؟ بل نهددها كلها! نحن المنتصرين ام لا شيء! اعترفوا بانتصارنا على الشعب السوري ونسحب اعترافاتنا بكم! لكن يبدو ان الحزب مستند في كل “اقاويله” وخبرياته إلى جزئيات في المعارك في سوريا. معارك وكر وفر. ويظن ان معلوماته صحيحة ودقيقة ومنزلة مئة بالمئة تماماً مثل “لو كنت اعرف ذلك”! (هل تتذكرونها؟) وغاب عن بال الحزب ان تقارب ايران اميركا تصحبه آليات كثيرة ومن احتمالاتها الكبيرة خرائط مسدودة ونسي الحزب ان ما يجري في سوريا هو ثورة شعبية. (ولم لا يعود إلى مراحل الثورة الفرنسية التي اندلعت في 1779 واستقرت في اعوام 1845- 1853). ونسي الحزب ان للصبر حدوداً. وبات اللبنانيون يضيقون ذرعاً بعمالته العمياء. وبجنونه التسلطي وفساده واجرامه، وكذلك جزء واسع من “بيئته المحضونة”: ولن ينفع الحزب دائماً ان يلعب الورقة السنية الشيعية ليحافظ على “تماسك” بيئته. ولن ينفعه تعيين عدو جديد بديل من اميركا واسرائيل وربما العالم هو “السعودية” أو اي بلد عربي لكي تستقيم له امور تجديد الهيمنة على لبنان. فمشروع “الهلال الصهيوني” انكسر يا جماعة الحزب ومشروع كانتونكم انحطم ومشروع مقاومتكم بددتم ارثه بأنفسكم وصار وراء اللبنانيين!
لن تنجحوا مرة اخرى بالباس اللبنانيين (ولا السوريين) قمصان ايران السود.. ولن تنفع أهزوجة “الرهان على الخارج” ولا زجلية تقطيع الأيدي والالسن.
هذه كلها باتت من أدوات الماضي، مثلكم تماماً: اسوأ ما في الحاضر والماضي.