#adsense

عندما يتحول المأزق الى صراخ بصوت عال!

حجم الخط

كان بعض اللبنانيين على وشك التفكير بامكان تصديق مقولة “الانتصار” التي طلع بها عليهم الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في الاحتفال بيوبيل مستشفى الرسول الأعظم قبل أيام، عندما فاجأهم في التاسع والعاشر من محرم بأنه لم ينجز انتصاره بعد لكنه يحذر الآخرين من أنه سيفعل قريباً وأنهم سيهزمون بالنتيجة. ولأن هؤلاء لم يكونوا قد استجابوا لدعوته الى الاستسلام والقبول بـ”الأمر الواقع”، أي بالهزيمة هذه، فقد أبلغهم في خطابيه الأخيرين أنه لم يكن ينتظر منهم أن يقبلوا، أو حتى أن لا يقبلوا، لا سابقاً ولا الآن ولا في المستقبل، انطلاقاً من أن ذلك لن يقدم ولا يؤخر في “الأمر الواقع” كما هو على الأرض.

ونصرالله، بهذا الموقف الذي سبقه اليه رئيس كتلته النيابية محمد رعد بصرخة “اياكم!..”، لا يتوهم تحقيق “الانتصار” المؤزر في سوريا فقط بل وانزال “الهزيمة” النكراء بمن وصفهم بـ”الشركاء في الوطن” أيضاً. ولكن بدعوى أنه لم يرسل قواته الى سوريا (وكان مستعداً للذهاب هو شخصياً، كما قال في وقت سابق) الا للدفاع عن لبنان، “لبنانه” هذا القائم على ثنائية “الانتصار” لطرف و”الهزيمة” لطرف آخر من اللبنانيين، في مواجهة من يصفهم بالتكفيريين وما قال انه خطر انتقالهم الى لبنان على وفاقه الوطني… وأي وفاق!.

ولمن يعرف “حزب الله” ويتابع سياسته في لبنان، لا جديد اطلاقاً في الأمر. الشيء نفسه مارسه الحزب أثناء ما وصفه نصرالله نفسه بـ “اليوم المجيد” في السابع من أيار العام 2008، ثم بعودته من الدوحة بثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” مقرونة بالثلث المعطل من جهة وتحت اسم “حكومة وحدة وطنية” من جهة ثانية. وهذا تحديداً ما يعتبره نصرالله “الأمر الواقع” الذي يعتقد أنه انتزع اعتراف الآخرين به يومها، بغض النظر عن الأسباب والظروف، وما تحدث عنه عملياً في خطابيه الأخيرين. الفارق الوحيد أنه يقول انه لم يعد يحتاج الى هذا الاعتراف الآن، لأن المطلوب هو الاعتراف بالهزيمة فقط… ونقطة على السطر، كما يقال في مثل هذه الحال!.

هذا هو “الأمر الواقع” اللبناني، من وجهة نظر “حزب الله”، وليس أمام الآخرين الا أن يتعاملوا معه كذلك وان لو لم يعترفوا، هذا ما قاله نصرالله بالفم الملآن في اليومين الأخيرين من عاشوراء. أما من لم يفعل بعد، فلعله فهم جيداً معنى صراخ رعد بكلمة “اياكم!…” وتهديده بامكان أن ينتقل الحزب من حال الدفاع حتى الآن الى الهجوم في المرحلة المقبلة.

وهو، بعبارة أخرى، أن ما أخذه الحزب في الفترة السابقة بات من الثوابت التي لا عودة عنها، وأن أحداً ليس من حقه بعد الآن لا السؤال عن ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” وزميلها “الثلث المعطل”، أو عن مشاركة الحزب في الحرب في سوريا، ولا حتى مناقشة أي عمل يقوم به مقاتلوه أو كوادره في لبنان أو في الخارج في المستقبل.

وهذه، لمن لم يفهم معنى الكلام بعد، هي بعض ملامح “لبنان الجديد” الذي أعلنه رئيس كتلته النيابية محمد رعد قبل ذلك بأيام فقط.

لكن الى أين من هنا، و”حزب الله” يعرف أكثر من غيره أن ما يتحدث عنه لم يرد في يوم سابق في لبنان ولن يرد حتماً في المستقبل؟.

الحال أن الحزب يدرك جيداً طبيعة المرحلة الراهنة اقليمياً ودولياً، وخصوصاً أن عودة ايران (“الولي الفقيه” الذي يعلن يومياً أنه جندي في جيشه) الى المجتمع الدولي لن تتم الا على حسابه، أو أقله على بعض هذا الحساب. وعملياً، فلا تفسير لقوله انه وحزبه لن يضعفا بعد هذه المرحلة بل سيصبحان أقوى اعتماداً على ما وصفه بـ “الوفاء” الدائم بينه وبين حليفيه الايراني والسوري، سوى محاولة طمأنة أتباعه الى ما يخشاه فعلاً في أعماق نفسه.

(للمناسبة فقط، لم يذكر نصرالله في خطابيه الاثنين لا “التقارب الايراني ـ الاميركي” ولا حتى المفاوضات بينهما حول الملف النووي الايراني، بل استخدم دائماً عبارة “التفاوض الايراني ـ الدولي”… ربما حتى لا يتذكر “الشيطان الأكبر” أو “الاستكبار العالمي”).

أكثر من ذلك، فالحزب يدرك جيداً كذلك ان سوريا المستقبل لن تكون أبداً، وأياً كانت نتائج ما يحدث على الأرض أو حتى “جنيف2” وما يليها، على شاكلة “سوريا الأسد” التي غالباً ما تحدث عنها وأشاد بها، حتى ولو تحقق ما يتوهمه من “الانتصار” عسكرياً، وأنه في المحصلة النهائية سيعود منها خالي الوفاض سياسياً على المستوى السوري من ناحية ومهزوماً، حتى لا نقول منبوذاً، على المستوى اللبناني من ناحية ثانية.

الى أين من هنا؟.

يحاول الحزب الآن، بالتهديد والوعيد كما بعرقلة اعادة بناء الدولة (عدم تشكيل الحكومة ودفع البلاد باتجاه الانهيار الاقتصادي ثم الفراغ الرئاسي ولاحقاً الفراغ النيابي) فرض قبول الآخرين، في لبنان وفي الخارج على السواء، بما يسميه “الأمر الواقع” المفروض فيه بقوة السلاح قبل أن تنجلي صورة الوضع الجديد في ايران وبينها وبين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من جهة وفي سوريا وتالياً في المنطقة كلها من جهة ثانية.

لكن مشكلة الحزب الكبرى، كما يبدو جلياً له، أن اللبنانيين الآخرين لا يعرفون هذه الحقيقة فحسب بل أنهم لن يوافقوا على ما يطلبه اليوم تماماً كما لم يوافقوا على كل ما فعله في خلال الفترة السابقة… لا لشيء الا لأنهم يتمسكون بلبنان الميثاق الوطني واتفاق الطائف والاعتدال والمناصفة بين أبنائه على اختلاف فئاتهم.

ولا معنى للصراخ بصوت عال في الأيام الأخيرة: “اياكم… ثم اياكم!”، والتهديد بقطع الأيدي والأعناق أو حتى بالانتقال من الدفاع الى الهجوم، الا هذا المعنى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل