#adsense

إيران ودورها في انتهاك السيادة العربية

حجم الخط

لا تحتاج السيادة الوطنية الى تعريف في قواميس الدول، فهي من أهم مبادئ القانون الدولي، لا بل هي أهم المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي الحالي، والمعيار الحقيقي لكل دولة.

السيادة تعني عدم التبعية لأي كيان خارج الدولة، وعدم تدخل أي دولة مهما بلغت قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في الشؤون الداخلية والخارجية للدولة الأخرى، وهذا ما تنصّ عليه الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، وتضمنت ما حرفيته “تقوم الهيئة على المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”. كما تنصّ الفقرة السابعة من المادة نفسها على انه “ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما”.

وفقاً لما تقدم يتضح أن التدخل في الشؤون الداخلية للدول عموماً غير مشروع، وذلك تأسيساً على النصوص التى وردت في المواثيق الدولية، وما تبنته الأمم المتحدة في قراراتها الصادرة عن الجمعية العمومية، وما استقر عليه عمل المنظمات الدولية، والسوابق القضائية الصادرة عن المحاكم الدولية كمحكمة العدل الدولية.

أمام ما ذكر، يظهر جلياً أن سلوك ايران على مدى أكثر من ثلاثة عقود، يتناقض مع كل هذه المبادئ والمواثيق الدولية، فهي تعمل ليل نهار على انتهاك سيادة الدول العربية، وتتدخل بشكل مباشر وغير مباشر، في الشؤون الداخلية والخارجية لعدد كبير من الدول العربية سواء بالتهديد العلني والمباشر كما هي حال احتلال الجزر الإماراتية الثلاث والتدخل العسكري في سوريا وانخراطها في قتل الشعب السوري، أو انتهاك السيادة الدولة اللبنانية والتحكم بمفاصلها بواسطة ذراعها العسكرية.

لقد توسعت الانتهاكات الإيرانية للسيادة العربية لتشمل سلطنة عمان والبحرين والمملكة العربية السعودية والكويت واليمن والعراق والإمارات العربية وسوريا، ليصبح خطرها مهدداً لاستقرار هذه الدول، واللافت أن القيادة الإيرانية لم تعد تنكر ذلك، إنما تعتبره من بديهيات حقها القومي والهادف الى توسيع هيمنة “إمبراطوريتها” الفارسية في كل المنطقة. وها هي ميليشياتها “الحوثية” تفتك بأمن اليمن، وربيبها “حزب الله” يمعن في ضرب أمن وأستقرار لبنان، وعصاباتها تنهك العراق وتمزق بلاد الرافدين إرباً وقوميات متناحرة، وتستمرّ في تأجيج الفتنة في البحرين لتسهيل انقضاضها عليها، واكتشاف مخطط الحرس الثوري بمحاولة اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة الأميركية.

كل ما ذكر يبقى غيضاً من فيض ما فعلته وتفعله إيران في لبنان، عبر ميليشياتها المسماة “حزب الله” أقله في السنوات السبع الماضية، بدءاً باتخاذها القرار باغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وهنا تكفي الإشارة إلى ما ذكرته صحيفة “دير شبيغل” الألمانية في عددها الأخير أن المتهمين الأربعة باغتيال رفيق الحريري كانوا تلقوا التدريبات اللازمة للقيام بهذه العملية في معسكر “الإمام الخميني” بالقرب من العاصمة الدينية الإيرانية “قم”. وإدخال لبنان في حرب مدمرة مع إسرئيل في العام 2006، ومن ثمّ تعطيلها إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، واستكمال تنفيذ مسلسل الاغتيالات للقادة السياسيين والأمنيين ورجال الفكر المناهضين للسياسة الإيرانية، وصولاً الى اجتياح بيروت في السابع من أيار 2008، وزرع الخلايا المسلحة التابعة لها، لإبقاء بؤر التوتر ناراً تحت الرماد اللبناني، والدليل ما يحصل في طرابلس من جولات عنف على جبهات أنشئت بإرادة المشروع الصفوي الذي لا تنتهي بؤره الأمنية في طرابلس، ولا تقتصر على أي دولة عربية من دون الأخرى.

لم يعد خافياً أيضاً أن إيران تنفذ مشروعاً تبشيرياً عالمياً يمتد من أميركا اللاتينية الى الشرق الأقصى، غير أن عينها مصوبة دائماً الى قلب الجغرافيا الإسلامية وتحديداً شبه الجزيرة العربية، إلا أن ما يجب معرفته بشكل دقيق، أن الخصومة الإيرانية للدول العربية لا تقوم على أسباب عقائدية وفكرية فحسب، أوعلى أبعاد تاريخية وحدها ولا على مصالح مادية، إنما هي كلّ لا يتجزأ ومن الخطأ التصويب على أحدها من دون الأسباب الأخرى. إن الأبعاد الاستراتيجية للسياسة الإيرانية في المنطقة تنكشف بمعرفة محدداتها العقائدية والتاريخية والمصلحية، فالانتقائية أو التفرد بفهم بعض الأبعاد من دون الأخرى كفيلة بإنقاص استيعاب الفهم الشمولي للمسألة الفارسية وأطماعها في الهيمنة على المنطقة. والسؤال المحوري ما هي علاقة ايران بالولايات المتحدة؟ وهل الولايات المتحدة تساعد ايران في تطبيق خطتها؟

في الخليج ثمة زواج متعة بين إيران وأميركا، والمتضرر الحتمي منه بالدرجة الأولى هي دول الخليج العربي وتحديداً دول مجلس التعاون. من هنا يخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية وإيران على ضفتي نقيض، صحيح أن لكل منهما مشروعه لكنهما متفقتان على النتائج وتتبادلان لعب الأدوار.

في المحصلة، إن مواجهة المشروع الإيراني لا بد أن تكون على مستويين، الأول حكومي يستدعي تصدياً سياسياً للتدخل الإيراني، من ضمن خطة عربية. والثاني على مستوى القانون ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال كشف أهداف المشروع الفارسي، وإثارة قضية انتهاكات حقوق الإنسان في ايران وهي انتهاكات كثيرة وحقوق باقي القوميات، ودعم الشيعة العرب المعتدلين في المنطقة الذين يرفضون ما تأخذهم اليه إيران ومليشياتها، وتوثيق الجرائم التي ترتكبها ايران وميليشياتها في سوريا ولبنان والعراق وباقي الدول العربية وتقديمها الى المنظمات الحقوقية الدولية والمجالس المختصة في الامم المتحدة. ودعم ثورة الشعب السوري الكفيلة بإسقاط نظام بشار الاسد، لما لهذا السقوط من آثار كبرى على إضعاف المشروع الإيراني في المنطقة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل