ويتوعّد “الحزب” قوى “14 آذار” بأنّ رفضها التسوية لا يلائمها، لأنّ الآتي من الأيام سيكون أشدّ قساوة عليها. والتسوية حينئذٍ ستحكمها معادلات أقلّ توازناً. ولذلك، يرتاح “الحزب” في هذه الأيام. فلا خوف في سوريا على حليفه، ولا في طهران طبعاً. وأمّا هو، فيبحث عن مخرج شكليّ لاستيعاب رئيس “جبهة النضال الوطني”النائب وليد جنبلاط المنعطف للمرّة الأُخرى والأخيرة، تاركاً شريكَيه الوسطيّين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلّف تمّام سلام يمرّران الوقت حتى ربيع 2014. فلا مفاجآت منتظرة منهما اليوم، ولا “حكومة أمر واقع”، وهي لم تكن منتظرة حتى في بداية التكليف.
ونجح “الحزب”، وساعدته المعطيات السورية، في جعل خصومه أمام فخّ يصعب تجاوزه. فهو دفع بالنزاع الداخلي إلى واحدٍ من سيناريوهين يكرّسان تولّي “الحزب” وحلفائه مقاليد السلطة في أيار 2014، أي في خلال الأشهر الستة المقبلة. والسيناريوهان هما:
1- رفضُ فريق “14 آذار” صيغة الـ9-9-6. وهذا ما سيؤدّي إلى بقاء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في وضعية تصريف الأعمال حتى أيار 2014. وعندئذٍ ستكون لدى “الحزب” كلّ الحجج لتعطيل الإنتخابات الرئاسية، كما جرى تعطيل الإنتخابات النيابية وتأليف الحكومة. وسيكون الخصوم أمام تفسيرين دستوريّين مريرين: إمّا أن يتولّى المجلس النيابي الكامل المواصفات الدستورية صلاحيات الرئاسة، وإمّا أن تقوم بذلك الحكومة المنقوصة المواصفات الدستورية.
ومعلومٌ أنّ المجلس والحكومة يتحكّم بهما فريق واحد. فلا مشكلة. وقد يتمّ “التفاهم”، ضمن الفريق الواحد، على بدعة هي: تقاسم الصلاحيات بين المجلس والحكومة. وقد بدأ المنظِّرون يتنافسون في الاجتهاد في هذا المجال.
2- قبول فريق “14 آذار” صيغة 9-9-6. وهذا احتمال صعب. ولكن في حال حصوله، يكون “الحزب” قد خسر الحكومة الميقاتية، وحلّت محلّها أخرى برئاسة سلام، القريب من تيار “المستقبل”، وبتركيبة متوازنة بين 8 و14 (9 لكلّ منهما)، وكتلة وسطية مرجِّحة (6 وزراء).
نظريّاً، تتساوى “8 و14 آذار” في هذه الحكومة، ويكون لكلّ منهما الحق في فرط الحكومة، ولكن، في تقدير المُطّلعين، لن تستخدم “14 آذار” هذا الحق، إذ لا بديل أفضل لديها. وأمّا “8 آذار” فهي ستبادر على الأرجح، وتحت عناوين وذرائع مختلفة، إلى إسقاط الحكومة سريعاً، وقبل الدخول في الشهرين السابقين لانتهاء الولاية الرئاسية، أي 25 آذار 2014، ومعها الثلث المعطّل وربّما جنبلاط وآخرون.
وفي هذه الحال، ستؤدّي الإستشارات النيابية الملزمة إلى اختيار رئيس للحكومة من “8 آذار”، قد يكون النائب السابق عبد الرحيم مراد أو سواه، لأنّ الغالبية النيابية الحاليّة باتت في جيب هذا الفريق. وربّما يكون قد آن الأوان لإعلان حكومة “8 آذار”، أي الحكومة التي تشكّل استمراراً لحكومة الرئيس عمر كرامي التي سقطت بفعل أحداث آذار 2005.
ولا يستطيع رئيس الجمهورية رفضَ هذا الخيار دستوريّاً. وسيكون في نهاية ولايته أمام الإستحقاق الآتي: إمّا إصدار مراسيم تشكيلة لا يقتنع بها، وإمّا إبقاء حكومة الـ9-9-6 تصرّف الأعمال… وتتولّى صلاحيات الرئاسة، في ظلّ إشكاليّات دستورية كبيرة.
هذان السيناريوهان يناسبان كلاهما “حزب الله”. والأهمّ أنّهما قد يتزامنان مع سيناريوهات دراماتيكية على الأرض، من عرسال إلى عكّار وطرابلس وربّما سواها في البقاع والعاصمة والجنوب.
وعندئذٍ، سيكون لبنان في قبضة فريق واحد. وستنطبق عليه فعلاً نظرية “البلد الممسوك لا المتماسك”، للمرّة الأولى منذ العام 2005. وستكون العقارب قد عادت إلى الوراء… ومجدّداً برعاية عربية ـ أميركية. ولا ينقص سوى إعادة تلزيم لبنان لتكتمل المسرحية!