أرسى «التيار الوطني الحرّ» قاعدة جديدة في الأوساط السياسية اللبنانية، لجهة صوغ التحالفات والتفاهمات مع الخصوم، يرسُمها رئيسه النائب ميشال عون الذي يُواجه بحدّة ويتحالف بحدّة في آن معاً.
الكلمة الأولى والأخيرة في “التيار” هي لعون. ومن العلامات الإيجابية التي تُسجّل للرجُل، حسب خصومه السياسيين، وعلى رأسهم فريق “14 آذار”، أنّه “صريح، ويقول ما يفكّر به، ويأخذ الشعب أينما يريد نظراً لـ”الكاريزما” التي يتمتّع بها. قد يخطئ أو يصيب، لكنّه في النهاية يمارس إقتناعاته حتّى لو كلّفته خسائر هائلة. وهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنَّ قسماً من الشعب اللبناني يؤيد الرجل في هذه الاقتناعات”.
تتشعَّب السياسة اللبنانية وتتداخل مع عوامل إقليمية ودولية، لكن يبقى عون رقماً صعباً بلا منازع ولا يمكن تجاوزه. وفي وقت يرى قسم من الشعب أنّ خياراته صائبة، فإن قسماً آخر يراها صعبة المنال، وما بين النظريّتين يبرُز رأي يقول إنّه رجل الخيارات الصعبة التي تُفسد على خصومه مشاريعهم، لكنّه يجني المكاسب في وقت متأخر أحياناً.
بين عامي 1990 و2005 وفيما كانت أميركا والغرب يُلزّمان لبنان للنظام السوري، كان عون من أشدّ معارضيه. وعندما انسحبت سوريا من لبنان، حالفها عون وخاصم فريق
“14 آذار” لينسج بعدها ورقة تفاهم مع “حزب الله”.
لكن في ضوء بعض التجارب المريرة بين عون وبعض الحلفاء، والتي كان منها عدم مساندته في المعركة الرئاسية والقبول بـ”المرشح التوافقي” الرئيس ميشال سليمان، مروراً بالتعيينات الادارية والخلاف على بعض مشاريعه في الحكومة الميقاتية، وصولاً الى عدم السير في المشروع الأرثوذكسي ومن ثم التمديد لمجلس النواب، ساد التوتّر بين الحلفاء، إنتهج عون سياسة الانفتاح على الجميع بمن فيهم أبرز خصومه.
وفي الوقت الذي اعلن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الانتصار في سوريا، فإن عون يستمر في تحالفه مع الحزب، لكنه بدأ ينسج علاقات جديدة. وهنا يطرح السؤال: ألا يؤمن “التيار” بانتصار الحزب ولا يأخذ كلام نصرالله على محمل الجدّ، أو أنه فعلاً لا يريد عزل أيّ فريق لبناني؟ وهل سيساند “14 آذار” إذا شعر بأنّ “حزب الله” ذاهب نحو الحسم السياسي في لبنان بعد الحسم العسكري في سوريا؟”.
يؤكد النائب سيمون ابي رميا، عضو وفد “التيار” الذي يجول على الكتل السياسية، أنّ “التكتل يفصل بين السياسة وهموم الناس وقضاياهم، فلا إعادة تموضع سياسي”، موضحاً أنّ “المرحلة الراهنة لا تشبه مرحلة الحلف الرباعي عام 2005 الذي ضمّ تيار “المستقبل” و”حزب الله” وحركة “أمل” والحزب التقدمي الاشتراكي، ولا تشبه أيضاً مرحلة رئاسة العماد عون للحكومة الانتقالية حيث كان قائداً للجيش وكان من واجباته مقاومة الاحتلال السوري للبنان والحصول على الدعم والمساندة من أي جهة كانت، لأنه لا ينطلق من خيارات سياسية، بل من اعتبارات سيادية تحررية”.
“عون زار في 7 أيار 2005 ضريح الشهيد رفيق الحريري لحظة وصوله الى لبنان، ثم قصَد الدكتور سمير جعجع في السجن، وهذه خطوة لم يقم بها حلفاؤه الحاليون الذين سجنوه”… بهذه العبارة يعلّل أبي رميا لـ”الجمهورية” سياسة التكتل الإنفتاحية تجاه الجميع، ومن ضمنهم حزب الله “الذي ساندناه في حرب تموز انطلاقاً من وقوفنا مع أي جهة لبنانية في مواجهة اسرائيل”.
ويوضح أبي رميا أنّ “التكتل ليس ضمن المحور السوري – الايراني، وليس مع المحور السعودي – الغربي، في وقت ينغمس كل الأفرقاء اللبنانيين في الحرب السورية. ومع علمنا بأنّ هذه المعركة لن تنتهي قريباً، فمن الأفضل بالتالي دعوة الجميع الى تقديم المصلحة الداخلية والابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية التي تؤذي لبنان”.
“التفكير لبنانياً”، هذا ما يعتبره أبي رميا “منقذاً” للوضع الداخلي، “لأنّ النزاع السنّي – الشيعي طاحن، وإن لم ينفجر حرباً في لبنان”، مشيراً الى “أننا وتيار “المستقبل” رفضنا عَزل “حزب الله” عام 2005 لأننا ضد منطق العزل، وتجربة محاولة عزل حزب الكتائب في بداية الحرب، كانت لها ارتدادات سلبية”.
لكن هل هذا يعني أنّ “التيار” يستدرك إعلان نصرالله انتصاره في سوريا ومحاولة ترجمة الانتصار داخلياً بوقوفه الى جانب “14 آذار”، مثلما فعل يوم “أنقذ” “حزب الله” من خلال ورقة التفاهم؟ يجيب أبي رميا: “لا يستطيع أحد في لبنان سحق الآخر، فتيار “المستقبل” والشارع السنّي موجودان، كذلك المسيحيّون والشيعة والدروز، وقد يختلّ الميزان لكن لا يترجم ذلك انتصاراً سياسياً”.
ويلفتُ أبي رميا الى أنّ “التكتل سيجتمع مع حزب الكتائب غداً (اليوم)، على أن يُحدّد في اليوم نفسه موعد اللقاء مع الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما لم يُحدِّد موعداً مع “القوات اللبنانية” الذين كان موقفهم إيجابياً، ونحن نتواصل معهم دائماً من خلال لجنة بكركي”.
ويرى البعض أنّ انفتاح “التيار” على الجميع يمهّد لترشيح عون الى رئاسة الجمهورية، عبر خطوات تقاربية، فيما يؤكد البعض الآخر أنّ الرئاسة ليست الهدف، وكان ينبغي أتخاذ هذه الخطوات أن تحصل عام 2005 بعد عودة عون من باريس. فهل تأخّر “التيار” بعدما تبدّلت المعطيات السياسية، أم أنّ “14 آذار” ستفتح ذراعيها مجدداً لتحتضن جزءاً أساسياً منها؟!