لكن البلد نفسه يعاني طفرة غير مسبوقة يتنافس من خلالها كلّ فريق، عبر خطابه، على الانهمام بمصلحة الفريق الآخر، وإرشاده وتنويره إلى مغبة ما يقوم به، والتبعات الوخيمة التي تنتظره.
فقوى الممانعة وعلى رأسها “حزب الله” تخاطب فريق 14 آذار بلغة مهووسة بسفك الدماء، وتصل إلى لحظات من الوجد على غرار توعد الخصم بأنه سوف “يذعن للمشاركة”، أو لحظات من الجود على غرار أنه “يا خائن نحن بصدد التوصل الى صفقة تقاسم نفوذ مع مشغليك”، لكنها في ظلّ كل هذا المجون تعود وتكرّر مراراً بأنه ينبغي أن يفهم الفريق الخصم أنه ليس من مصلحته أن يفعل كذا وكذا، “ماذا وإلا”.
وبالنتيجة، القوى المواجهة لـ”حزب الله”، تقع في المطب نفسه. ترميه بالفاشية، من دون جهد نظريّ لإبداع حيثيات لبنانية لاستحضار هذا المفهوم. تشدّد على أنه لا يملك قراره، بلغة جبرية مطلقة، لا تنسحب على الإقرار بتضاؤل مساحة التقرير اللبناني عموماً سنة في أثر سنة، تفشل في مقاربة الموضوع من حيث هو قضية تغلّب فئة جامحة على الفئات اللبنانية الأخرى، وليس فقط مشروعاً إقليمياً يتكئ على مستلبين أيديولوجيين. لكنها بعد كل هذا تعود وتقول لهذا الحزب: ليس من مصلحتك أن تفعل كذا وكذا و”الأيام بيننا”. أو تتوجه لبيئة هذا الحزب: ليس من مصلحتك أن تجاريه في كذا وكذا.
من يدّعي الوسطيّة يقوم هو الآخر بالشيء نفسه. يتوجّه إلى إحدى الفرقتين أو إلى مجموعهما بالغيرة على المصلحة أكثر من المعني بها.
كلّ يتظاهر بأنه ضنين على مصلحة خصمه. وما كان حيلة بلاغية من جملة حيل أخرى أخذ يتحوّل مع الوقت إلى “مسلك لبناني عام”.
الحقيقة أنّ أوّل الخروج من الدوّامة المهلكة التي نلجّها أكثر فأكثر هو اكتفاء كل فريق بأن يحدّد المصلحة التي يتوخّاها هو، ويترك لغريمه تحديد مصالحه بمعرفته. لا ينفع أن يظلّ “الشيعي” يعتبر نفسه أعلم من “السنّي” بمصلحة الأخير، ولا يجوز أيضاً أن يحصل العكس، والشيء نفسه يتّسع لـ”المسيحيّ”. هذا التزاحم على التنوير المتبادل هو في الحقيقة معمل الظلام في التركيبة اللبنانية.
فالأزمة اللبنانية هي بالحدّ الأدنى ثلاثية الأبعاد.
هناك من جهة مشروع غلبة مذهبي مسلّح، مرتبط بأيديولوجية نافية رأساً للكيانية اللبنانية وللتعدّديتين الثقافية والسياسية في لبنان. هذا المشروع ليست مشكلته فقط “خمينيته”، إنما أيضاً ما يسمّيه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان “الماركسية المبتذلة المنتشرة هوائياً”، والتي تعطي للطروح الخمينية قوامها. مثلاً، في حال لبنان، وكما أنّ من شعارات الماركسية أن البروليتاريا تناضل ليس فقط من أجل مصلحتها الطبقية بل من أجل مصلحة جميع الطبقات المضطهدة ومن أجل إلغاء المجتمع الطبقي بأسره، كذلك يجري تلبيس هذا الدور للطائفة الشيعية. فـ”شيعة علي بن أبي طالب” إذا ما استعدنا خطبة السيد حسن التي سمّى الجماعة هذا الاسم بالتحديد، إنما تناضل ليس فقط من أجل مصلحتها الطائفية، وإنما من أجل مصالح جميع الطوائف المضطهدة، ومن أجل إلغاء المجتمع الطائفي بأسره!
لكن، من الجهة الثانية، هذا المشروع عاجز كيانياً، وعاجز عن السير باتجاه فرض نظام سياسي بديل يؤمن نموذجه هو من “الاستقرار”. كل الضعف العسكري والسياسي لأخصامه لم يستفد منه إلا في القليل القليل. الحنكة التكتيكية لا وعاء استراتيجياً لها، طالما أنّ “حزب الله” لم يكن أبداً جدياً في طرح “التصور الشيعي للكيانية اللبنانية” في مواجهة “التصور الماروني السياسي” لها قبل وإبان الحرب، و”التصور الإسلامي المسيحي المشترك” لها، الذي وجد مدوّنته الأساسية في أعمال السينودس والإرشاد الرسولي وأدبيات لقاء قرنة شهوان ثم في الوهج الأوّل لانتفاضة الاستقلال.
صحيح أنّه برزت بأشكال سرعان ما تخبو، محاولات لإظهار مركزية الجنوب في السردية المقترحة للبنان الحاضر والمستقبل في مقابل مركزية الجبل اللبناني، التاريخية والجغرافية وذات الركيزة المارونية – الدرزية، وصحيح أنه برزت أيضاً نزعة لإظهار ثنائية الجنوب والسهل في مواجهة ثنائية الجبل والساحل، لكن ذلك بقي ثانوياً وهلامياً، وبدل إفراز “تصوّر شيعي كياني”، برزت فقط لحظات احتقان وتوتر في الذاكرة الجماعية. في لحظة، ثمة محاولة لإنشاء سردية متمركزة حول “الضاحية الجنوبية”. في لحظة ثانية، ثمة محاولة للدخول الى جوف “الصراع على التاريخ”، مرة بالتذكير “الإحيائي” بأن جبل لبنان كان جبلنا، أو حتى بأن طرابلس كانت في ما مضى إمارة شيعية. لكن كل ذلك لا ينتج “تصوّراً شيعياً للكيان اللبناني”، وبالتالي لا ينتج “تصوّراً شيعياً لحل المسألة اللبنانية”. من هنا، لا أصل للقول بأن الشيعة هم اليوم أصحاب “شيعية سياسية” على غرار “المارونية السياسية” التي كانت، انطلاقاً من تصوّر كياني معيّن تطرح نظام سيطرة سياسية وهيمنة ثقافية صمد لبضعة عقود من الزمن. أما المشروع التغلّبي الحالي فهو لا يتجاوز حدّ “الشيعية الثقافية”، ويعيش مشكلة عدم قدرة صياغة نفسه في قوام سياسي، في تصوّر للكيان، في تصوّر للنظام البديل. فالمثالثة مثلاً ليست نظاماً بديلاً، بل إن “حزب الله” لا يطرحها إلا حنقاً ومواربة ومن دون أي صيغة برنامجية واضحة. هو ضنين على مصالح قوى 14 آذار، يقول، وضنين على المعارضة السورية فوق ذلك، لكنه نسي أن يحدّد لنا مصالحه هو، وتصوّره للكيان وللبديل عن النظام الحالي. فقط يسترسل في “الشيعية الثقافية”: أي بمعنى معيّن، “لغة السلاح المستخدم زائد الفولكلور الموجّه”.
لكنها من جهة ثالثة، أزمتنا جميعاً. فـ”حزب الله” اختصار، أو “تكثيف” لمشكلة الكيان اللبناني بعامة. فإذا كان هو ينظر إلى طائفته على أنها الأشرف لأنها إذا تغلّبت أسقطت النظام الطائفي نفسه، ونشرت الفضيلة بدل المرابع الليلية، لكنه من ناحية أخرى، يمثّل الحزب الذي يقود أكبر محاولة تغلّب طائفي في تاريخ الكيان اللبناني الحديث، وهي محاولة يمكن التفاؤل أنه حين تباشر بوعي استحالتها، وهذه مسألة وقت، فإنها ستمهّد للتفكير بكيفية تأهيل البلد بحيث لا تحاول فيه ملّة التغلّب على الملل الأخرى كل بضعة عقود.
وكما أنّ أوّل المطلوب هو أن يقول لنا “حزب الله” ما هي المصالح الذاتية لطائفته التي يسعى إليها، فمن المطلوب أن تفعل ذلك كل القوى، وكل الطوائف، لأنّه هذه المرة إن كتب للكيان اللبناني أن تقوم له قائمة من جديد فإن التصوّر للكيان ينبغي أن يطوي صفحة “التزاحم التنويري” الذي تتبارى فيه كل فرقة على تحديد مصالح الفرقة الأخرى، إن لم يكن تحديد ممثلي الفرقة الأخرى!