#adsense

ماذا بعد التنازع.. أو التفاهم الأميركي ـ الإيراني؟!

حجم الخط

 

تحتاج إيران بشدة إلى تخفيف العقوبات الغربية عليها، فقد بلغت الأمور الداخلية حداً من الانهيار قد يدفعها إلى قلب الطاولة في المنطقة. يعرف الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية، هذه الحقيقة، بقدر ما يعرف واقعه الذي لا يرغب بالتورط في مزيد من الحروب في منطقتنا. حاجة إيران إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية، وخوف الولايات المتحدة من حروب قد تزيد من الصعوبات الاقتصادية الداخلية؛ شكّلا نقطة التقاء لتفاوض يقترب من النجاح؛ عنوانه الملف النووي، ونفوذ إيران في المنطقة.

في واقع الحال؛ ان العلاقة الإيرانية ـ الأميركية مرهونة منذ مدة طويلة بمصالح الطرفين، وتقاسم نفوذهما في المنطقة. لطالما أرادت إيران أن تثبت أنها اللاعب الإقليمي الأقوى في المنطقة، وهي تستخدم ملفها النووي في هذا المسار، في حين أن الولايات المتحدة ومعها “إسرائيل” لا تريد للنفوذ الإيراني أن يكون على حساب المصالح الأميركية في المنطقة.

ما تطرحه إيران اليوم هو اعتراف أميركي بنفوذها في المنطقة، وتفاهم على الملفات المشتركة، وإلا فالبديل هو الحرب أو ازدياد التوتر في الإقليم. هذا ما قاله السيد حسن نصر الله قبل أيام بوضوح: “البديل عن التفاهم بين إيران ودول العالم هو الحرب في المنطقة”، وهو التحذير نفسه الذي وجّهه البيت الأبيض إلى نواب الكونغرس الأميركي باعتبار “أن تصويت البرلمانيين على مشروع عقوبات جديدة ضد إيران قد يقوّض كل الجهود الديبلوماسية للتوصل إلى حلول بشأن البرنامج النووي الإيراني وقد يؤدي الى نشوب حرب”.

هذا يعني أن ثمة حاجات مشتركة إيرانية – أميركية – غربية تدفع نحو تفاهم، سيكون الخاسر الأكبر منه العرب، لأن تقاسم النفوذ يجري على حسابهم، تماماً كما أن التنازع بين إيران والغرب، أو التقاتل، سيكون على حساب العرب، وهم أول من سيدفع ثمنه على كل صعيد!.
هل تتم الصفقة الإيرانية – الأميركية؟
ثمة دوافع قوية لنجاحها، مع حاجة كل فريق الى طمأنة حلفائه، ما يدعو الى التروي قليلاً، لكن التفاهم ليس حتمياً، فلربما تصر إيران على نسبة الـ 20% من التخصيب، فتحرج الغرب، وربما تشعر الولايات المتحدة أنها أعطت إيران أكبر من حجمها، أو ترفض دول غربية وازنة هذا التفاهم (الموقف الفرنسي مثلاً)، إنما في الأحوال كلها فإن إيران والولايات المتحدة على استعداد كامل لإبرام تفاهم قوي، يستند إلى تفاهمات موضعية سابقة؛ احترم فيها الطرفان التزاماتهما.

في كتابه المرجعي “التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة” (صدر في العام 2009) يؤكد تريتا بارسي (ولد في إيران ونشأ في السويد) وجود قنوات اتصال سرية بين طهران وواشنطن منذ مدة طويلة جداً، رغم الخطاب الإعلامي المعادي، وذلك بالاستناد إلى أكثر من 130 مقابلة مع مسؤولين رسميين إسرائيليين وإيرانيين وأميركيين رفيعي المستوى في بلدانهم، إضافة إلى العديد من الوثائق والتحليلات والمعلومات الخاصة، وهو يؤكد أن إيران و”إسرائيل” تتصارعان؛ إنما على النفوذ والمصالح في العالم العربي.

يكشف بارسي في كتابه وثائق حول أسس صفقة عرضتها إيران على الولايات المتحدة في العام 2003، بعد تعاونها معها وتمكينها من غزو أفغانستان والعراق، وقد عرضت إيران فيها تفاهماً حول البرنامج النووي، والموقف من “إسرائيل”، ومحاربة “القاعدة”، ما سينعكس – لو تم وفق المقترح – إيجاباً في ملفات أخرى منها؛ الأوضاع في العراق، وفلسطين، ولبنان، ومن ثم قبول إيران بالمبادرة العربية التي طُرحت في قمّة بيروت في العام 2002، وحل الدولتين. ويؤكد بارسي أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزير الدفاع حينها دونالد رامسفيلد كانا وراء رفض هذا الاقتراح الذي حمله وسيط سويسري.

ومع أن تشيني وقف في وجه مقترح الاتفاق هذا، لكنه نفسه يعترف بأنه تعاون مع إيران من أجل تسهيل غزو قواته العراق، وهو يقول في مذكراته التي أصدرها في نهاية العام 2010، إنه اجتمع شخصياً مع المرجع الشيعي علي السيستاني وتفاهم معه على تحييد الشيعة العراقيين وإصدار فتاوى تلزم الشيعة بعدم التعرض لقوات التحالف الغربي، وأن مساعديه كانوا يجتمعون بالمخابرات الأميركية للتنسيق من أجل هذه الغاية.

ولعل التجارب السابقة هي التي أسست لجولة المفاوضات الأخيرة في جنيف، ولاسيما أن صحيفة “الاندبندنت” البريطانية سبق أن كشفت بالتفاصيل، قبل نحو خمس سنوات، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا جولات كثيرة من المحادثات السرية؛ قامت بها مجموعة من الديبلوماسيين الأميركيين وأكاديميين ومستشارين سياسيين إيرانيين في أماكن مختلفة من العالم، وبتسهيلات قدمها معهد استوكهولم لأبحاث السلام.

ما سبق يعني أن الخطابات الاستهلاكية لكل من الولايات المتحدة وإيران لا تشكل عائقاً أمام تفاهم محتمل إذا اقتضت مصلحة الفريقين ذلك. صحيح أن الولايات المتحدة تعتبر النظام الإيراني خصماً، لكنها لا ترى فيه خصماً غير عاقل، أو غير قابل للتفاوض، وإيران بدورها ترى في الولايات المتحدة خصماً لكن لا مانع لديها من التفاهم معها إذا ضمنت مصالحها. فهل يكون العرب ضحية التنازع أو التفاهم الإيراني – الأميركي في المنطقة؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل