#adsense

لماذا على «حزب الله» أن يشكر 14 آذار؟

حجم الخط

لو كان فريق 14 آذار انتهازياً وفئوياً لكان باستطاعته تجاهل قتال «حزب الله» في سوريا، كي لا نقول تشجيعه، على قاعدة أنّ هذا القتال يؤدّي إلى إلهاء «الحزب» وإشغاله بالحَد الأدنى، وإضعافه وإنهاكه بالحَد الأقصى.

ما زال فريق 14 آذار يُبدّي في أدائه وممارسته وطنيته ولبنانيته على حزبيته وفئويته، والدليل موقفه المتشدّد من قتال “حزب الله” في سوريا، هذا القتال الذي وسّع دائرة أعداء الحزب من الإطار اللبناني إلى الإطارين السوري والعربي، خصوصاً أنّ الحزب يدرك قبل غيره استحالة عودة عقارب الساعة إلى الوراء في سوريا، وأنّه في أفضل الأحوال ستنشأ مساكنة بين المعارضة والموالاة، وأنّ الفريق المعارض لن يسامح الحزب على تدخّله في الشؤون السورية، الأمر الذي سيجعله محاصراً ومطوّقاً من الجانب السوري، فضلاً عن أنّ دوره المكشوف سوريّاً أفقده كلّ الرصيد الذي راكمه بحجّة المقاومة ووضعَه في مواجهة مباشرة مع الشعوب العربية والسنّية.

هذا في الجانب السياسي الخارجي، أمّا في الجانب العسكري، ومهما علا شأن الحزب تسليحاً وتنظيماً، تبقى قوّته محدودة ربطاً بالحجم الديموغرافي للطائفة الشيعية في لبنان، وبالتالي لا بدّ من أن تؤدّي إطالة أمد المعارك السورية إلى استنزاف الحزب وإضعافه، بمعزل عن مدى تضامن طائفته معه، لأنّ قدرته على تحمّل الخسائر البشرية محدودة، فضلاً عن أنّ التململ داخل بيئته لا يظهر سريعاً، إنّما يتفاعل بشكل بطيء وتصاعديّ، وذلك من دون إغفال أنّ حجم الخسائر ينعكس على دينامية هذه البيئة وحيويتها، ويجعلها تفقد أهمّ عناصر قوّتها.

وإذا كان من الصحيح أنّ قتال “حزب الله” في سوريا مسألة استراتيجية تتّصل بمحور الممانعة ودوره، إلّا أنّه من الثابت لغاية الآن أنّ أيّ تسوية من قبيل “جنيف 2” أو غيرها ستحدّ من نفوذ هذا المحور، الأمر الذي يقطع الطريق أمام أيّ استثمار داخليّ للحزب، ويجعل عودته من سوريا أضعف ممّا كان ينتظر ويتوقّع، خصوصاً أنّ قوّة “حزب الله” مردُّها إلى ثلاثة عوامل: إيران، سوريان وقوّته الذاتية، وتأثّرُه بسقوط حليفه السوري لا يعني خسارته أوراق قوّته المحلّية، هذه الأوراق التي لا يمكن أن يفقدها إلّا في حال انزلاقه إلى مواجهة داخلية أو فتح حرب مع إسرائيل، فيما لو كان تجنّبَ انخراطَه في سوريا لَحافَظَ على مكامن قوّته الداخلية ورصيده الإسلامي والعربي، وتكفي مقارنة المواقف من الحزب قبل قتاله في سوريا وبعد هذا التاريخ.

وعلى المستوى المحلّي لا يمكن الاستهانة بخسائر الحزب، بدءاً من إسقاطه كلّ نظرية أنّ “مقاومته” موجّهة ضدّ إسرائيل، وتحوّلها بين ليلة وضحاها إلى قوّة متنقّلة خدمةً لأهداف إيران، وإسقاطه استطراداً “جيش وشعب ومقاومة”، وصولاً إلى قطعِه كلّ أواصر الشراكة الداخلية، بتأكيده أنّه ليس بحاجة إلى غطاء أحد للمشاركة في القتال السوري، في موقف يضرب عرض الحائط كلّ فلسفة ميثاق العيش المشترك بين اللبنانيين، ويشكّل خروجاً عن الدستور ومبدأ الحياد الذي قام عليه لبنان منذ العام 1943.

وعليه، لو كان فريق 14 آذار يضمر شرّاً لـ”حزب الله” لما كان مضطرّاً إلى رفع سقفه السياسي ووضع شرط انسحابه من سوريا كمدخل للمشاركة معه في الحكومة، حيث كان باستطاعته بكلّ بساطة أن يكتفي بتسجيل تحفّظه على دور الحزب في سوريا، مميّزاً بين موقف لبنان الرسمي المعترض على هذا الدور والعاجز عن كبحه في موقف تبريري وتنصّلي من أيّ مسؤولية أمام المجتمعين العربي والدولي، وبين موقف الحزب الذي يتصرّف كفريق أقوى من الدولة ومن دون أن يأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان واللبنانيين.

فباستطاعة فريق 14 آذار أن يتعاطى بخبثٍ مع هذه القضية، لأنّ مصلحته الضيّقة تكمن في بقاء “حزب الله” في سوريا، وإذا استدعى الأمر تطمينه على مصالحه في لبنان إذا اضطرّ للانتقال كلّياً إلى دمشق، ولكنّ هذا الفريق ما زال يضغط على الحزب للانسحاب من سوريا، ويضعه شرطاً أساسيّاً للمساكنة معه في الحكومة، ويتعاطى معه باعتباره جزءاً لا يتجزّأ من النسيج اللبناني، ويبدي الألم والحسرة على كلّ ضحية تسقط للحزب في سوريا، لأنّ هؤلاء الضحايا هم لبنانيّون في نهاية المطاف. فهل بهذه الطريقة تكافَأ 14 آذار؟ وألا يفترض بـ”حزب الله” أن يشكر 14 على موقفها النبيل بدلاً من مهاجمتها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل