#adsense

أي استقلال؟

حجم الخط

في الذكرى السبعين لاستقلال بلادي، ليتني أستطيع أن أروي لأولادي حكايات عن الأبطال الذين حقّقوا الحرية والكرامة لهذا الوطن. لكن بعضهم لا وجود له إلا في كتب التاريخ التي تعود إلى ما قبل جيلي. حاولت جاهدةً أن أرى فيهم أشخاصاً حقيقيين، إلا أن صوت القنابل كان دائماً أعلى، وكانت ممارسات أمراء الحرب اللبنانيين أقوى من أي إلهام نستمدّه من شخصيات بعيدة وموغلة في الزمن.

على مر السنين، احتلّت بلدان وميليشيات وعصابات لبنان. وحتى يومنا هذا، لا تزال حريته واستقلاله يُخطفان يومياً على أيدي مجموعات داخلية وقوى خارجية. وأمنه مهدّد دائماً بالانفجار والتطاير أشلاءً زارعاً القتل والتشويه والندوب في كل مكان.

اللحظات التي شعرتُ فيها بالاعتزاز نادرة ومتباعدة، إنها لحظات مطبوعة بالتضحية ومخضبة بالدماء. إنها لحظات في التاريخ ظهرت فيها بارقة استقلال. لحظات قصيرة بدا فيها أن التحرّر من كل تأثير هو في المتناول. ولكن، ويا للأسف، انتهت كل تلك اللحظات المحمّلة بالأمل، بصورة مفاجئة وعنيفة ومأسوية، باغتيال شخصية ما أو حصول تصعيد.

ليست لدي روايات سعيدة عن الاستقلال لأشاطركم إياها. ولكن لدي الكثير من الروايات التي تفطر الفؤاد عن أبطال حقيقيين ضحّوا بحياتهم من أجل الحرية والمساواة في بلادنا. هؤلاء لم يدخلوا كتب التاريخ.

كيف يمكننا التحدث عن الاستقلال في بلد منقسم حيال الأجندات والمصالح الخارجية؟ من يمكنه ادّعاء الاستقلال في بلد حيث يوضَع ألف تعريف وتعريف للوطنية، ويدعي كل منها أنه التعريف الحقيقي والأصيل، في حين أن كل التعريفات الأخرى هي خيانة؟

عندما ترون مشاهد من احتفالات الاستقلال، اعلموا أنها مجرد مسرحية لإلهائكم عن المشكلات الحقيقية التي يتخبّط فيها هذا البلد. كلما تردّد ذكر الاستقلال، تذكّروا أننا لا نزال دولة متعصّبة مليئة بالعنصريين الذين لا يستطيعون قبول الآخر أو الوثوق به، فما بالكم أن يحترموا أو يحبّوا بعضهم بعضاً.

بعد سبعين عاماً من “الاستقلال”، لم تحصل المرأة على حق إعطاء جنسيتها لأولادها. تعلّمنا استعباد الآخرين وقبول السياسات الفاشلة نفسها. أما السمعة التي بنيناها طوال سبعين عاماً فحدّث عنها ولا حرج. اسمنا مرتبط بالإرهاب ويُستخدَم مرادفاً للانقسام والحروب الأهلية والنزاعات المذهبية والتأثير الإيراني الأصولي.

يحتاج الاستقلال الحقيقي إلى لاعبين وقادة جدد. يقتضي عرَقاً أكثر ودماء أقل، تعاوناً أكبر ونزاعاً أقل، مزيداً من الأعمال الوطنية وقدراً أقل من الشعارات الفارغة.

اليوم، علينا أن نطالب بالاستقلال الحقيقي من الجهل والتبعية. فيما يحتفي البعض بالموت والخضوع، فلنرفض الاسترخاء ونطالب بتغيير حقيقي نحو استقلال نحن في أمسّ الحاجة إليه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل