كثيرون تساءلوا عن هذه المجازفة التي ارتكبها حسن نصرالله وفي هذا التوقيت وعن جدية التهديد الإسرائيلي باستهدافه، الأمر الذي أعادنا بالذاكرة إلى تاريخ من الأسماء كان وجودهم حاجة إسرائيلية دائمة، بل كان وجودهم رديفَ دعمٍ دولي حظيت به إسرائيل على جميع المستويات، والشخصية «البعبع» ـ بصرف النظر عن هويتها ـ لم تكن لتشكّل خطراً على إسرائيل بقدر ما كانت تشكّل خطراً على محيطها نفسه!!
في أواسط خمسينات القرن الماضي لعب جمال عبدالناصر دور هذا «البعبع»، وهذا كلام وإن لم يعجب كثيرين، فقد منحه رئيس الوزراء البريطاني أنطوني أيدن صورة العدو الشخصي للمملكة البريطانية، فكان رجلاً في مواجهة مملكة عظمى، وما هو أسوأ من هذا ما كشفه نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد أن جمال عبدالناصر أعرب لصلاح سالم رئيس جهاز مخابراته عن استعداده لتسليم نفسه للسفارة البريطانية بعدما طلب منه صلاح نصر ذلك إثر العدوان الثلاثي عام 1956، ومع هذا تضخمت هزائم عبدالناصر وحولّتها له الشعوب العربية انتصارات، تماماً كحسن نصرالله وهزائمه التي تحولت إلى انتصارات إلهيّة، وما هو أسوأ من كلّ ذلك أنه في عهد عبدالناصر احتلت إسرائيل سيناء مرتين عامي 1956 و 1967!!
ومباشرة بعد رحيل عبدالناصر في السبعينات سطع نجم «أبو عمّار» ياسر عرفات وصارعه على وهم «البعبع» الرئيس السوري حافظ الأسد الذي سعى بكل ما أوتي من قوّة ليلبس ثوب عبدالناصر فما أفلح يوماً في ذلك، وضخَّمت إسرائيل حجم أبو عمار حتى أنهك لبنان بحمله وحمل ميليشياته إلى أن غادرها منهزماً تحت أزيز رصاص الابتهاج بالمغادرة على قيد الحياة، مجرجرين أذيال تدمير بيروت بعدما عاثوا فيها فساداً!!
والمثال الثالث ينطبق بحذافيره على حسن نصرالله، فهو مادة استهلاك محلية إسرائيليّة أهم بكثير من علي الخامنئي أو محمود أحمدي نجاد، والخميني والنووي الإيراني حتى، فقد ظلّ حسن نصرالله يلعب دور «البعبع» لصالح إسرائيل وعاش جمهوره في فزع على حياته «تحت سابع أرض»، إلى أن استيقظ اللبنانيون على حقيقة أن حسن نصرالله لم يعد يلعب دور «البعبع» لإسرائيل إذ بات حاجة ضرورية لاستهلاكها اليومي لصورة الإرهابي الذي تحاربه، في الحقيقة اكتشف اللبنانيون أن حسن نصرالله ومنذ 8 آذار 2005 دوره الحقيقي المطلوب منه أن يلعبه هو أن يكون فقط «بعبعاً» للبنانيين!!
