النائب رعد دعا الى إقامة “نظام جديد في لبنان ينسجم مع وجود المقاومة فيه.. ولا يضم نظام السمسرات وعقد الصفقات وتبييض الاموال والملاهي الليلية”. واضاف خلال إحياء مجلس عاشورائي في الجنوب ان “الوجه الطبيعي للبنان هو وجه المقاومة.. ان العصر الآن هو عصر المقاومة”.
اذاً، “حزب الله” يريد تغيير وجه لبنان. قالها بالفم الملآن، وبالصوت والصورة، وعلى لسان رئيس كتلته النيابية، بعد نفي متكرر من جانب الحزب على امتداد سنوات كلما تحدث صوت من قوى 14 آذار عن هذه النيّة المبيّتة.
ومعنى ذلك ايضاً ان “حزب الله” قرر إعادة تعريف لبنان، دوراً وموقعاً، من جانب واحد، وبمعزل عن رأي حلفائه وخصومه في آن، اي بقية المكونات اللبنانية، تماماً كما كان يتخذ قراراته بالحرب ضد اسرائيل.
اذاً، “حزب الله” وبمعزل عن رأي من حدّدوا تعريف لبنان في النصف الاول من القرن الماضي، من ميشال شيحا الى جورج نقاش وغيرهما، مروراً بآباء الاستقلال وفي مقدمهم الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح، وبمعزل عن ميثاق 1943 ومن ثم اتفاق الطائف وما بينهما من وثائق ومسلّمات لبنانية، قرّر إعادة تعريف ماضي لبنان، من خلال اختصاره بأنه عبارة عن “ملهى ليلي”، واسقاط تعريف آخر على حاضر لبنان ومستقبله من خلال دمغه بعنوان “وجه المقاومة”.
بداية، صحيح ان لبنان عرف الملاهي الليلية في تاريخه الحديث، لكنها لم تكن ميزته الاولى ولا الوحيدة باعتبار ان لبنان، وباعتراف اللبنانيين والعرب، كان جريدة الصباح ايضاً ومستشفى العرب، وسويسرا الشرق، ومقاهي النِقاش السياسي الديموقراطي، وملجأ المعارضين للانظمة الاستبدادية وواحة للحريات. فاختصار هذا التاريخ المجيد للبنان بتصويره مجرد “ملهى ليلي” فيه إساءة الى لبنان واللبنانيين.
فلا ماضي لبنان يُختزل بهذه الصورة، ولا تاريخه بدأ مع مقاومة “حزب الله”، كما أوحى رعد، وقد عرف لبنان وساحات بيروت وطرابلس وصيدا وغيرها من المناطق تظاهرات التضامن مع المقاومات الفلسطينية والجزائرية والفيتنامية وغيرها من الثورات التي عرفها العالم في القرن الماضي، حيث لم يكن قد وُلد بعد لا “حزب الله” ولا النائب رعد نفسه.
اما الحديث عن السمسرات وتبييض الاموال فيمكن لكثيرين استخدامه الا “حزب الله” بالتحديد وقد فاحت روائح الفساد و”الكبتاغون” من كوادره وبيئته الحاضنة، ناهيك عن ارتياد الملاهي الليلية نفسها التي تحدث عنها رعد الشيء بالشيء يُذكر وشبكات الدعارة التي أزكمت الأنوف.
هذا عن الماضي، اما في ما يتصل بتصور الحزب للبنان في الحاضر والمستقبل فيفترض السؤال بداية: عن اي مقاومة يتحدث النائب رعد؟ مقاومة “حزب الله” لاسرائيل ولا يتذكر اللبنانيون اي عملية للحزب ضدها منذ إقرار القرار 1701؟ ام مقاومة “حزب الله” للشعب اللبناني في 7 ايار 2008، ولاحقاً للشعب السوري منذ عامين؟
ماذا يعني القول ان “الوجه الطبيعي للبنان هو وجه المقاومة”، سوى ان الحزب قرّر تغيير وجه لبنان في الماضي وفي المستقبل ايضاً، ظناً منه ان تصريحاً من هنا او قرارا من هناك يمكن ان يُحدث العجائب في وطن لم تقوَ قوى الارض العاتية كلها على تغيير فاصلة من طبيعته وتركيبته وهويته.
لا شك في ان التعريف الجديد الذي يسعى “حزب الله” الى إلصاقه بلبنان لم يأتِ من فراغ، وقد ألمح الى ذلك الرئيس الايراني السابق محمود احمدي نجاد خلال زيارته للبنان قبل اعوام، في إيحاء صريح بأن لبنان صار جزءاً من منظومة إيران في المنطقة.
لكن ما فات “حزب الله”، ومعه طهران بالطبع، ان اللبنانيين شهدوا حرباً اهلية دامت ثلاثين عاماً قبل ان يقتنع بعضهم بتعديل مادة في الدستور تتعلق بوجه لبنان حيث كانت تشير الى ان لبنان “ذو وجه عربي”، وقد صارت “لبنان عربي” مع اتفاق الطائف. اما تغيير وجه لبنان من “لبنان عربي” الى “لبنان ايراني” فمن سابع المستحيلات، ولو بعد ثلاثمئة عام.