“المستقبل”: خريطة “فارسية” للشرق الأوسط الجديد؟

كتب اسعد حيدر في صحيفة “المستقبل”:

 هل بدأت كتابة تاريخ الشرق الأوسط الجديد بالفارسية؟

يؤكد الأسديون انتصار محور “الممانعة والمقاومة” بقيادة إيران. المعركة في سوريا “حسمت” لمصلحة الرئيس بشار الأسد. الجيش الأسدي يتقدّم والثوّار وجميع التكفيريين يتراجعون من دمشق إلى حلب. الانتصار في معركة القلمون سيثبت هذا الانتصار، وهو ليس ببعيد. انعقاد “جنيف-2” في أواسط الشهر المقبل أو في مطلع العام المقبل، يتم على وقع التحوّلات الميدانية التي تتبلور لمصلحة الأسد. مشاركة الأسد في المؤتمر، “هديّة” منه لموسكو و”بادرة” حسن نيّة تجاه واشنطن، وليس “فريضة” عليه. مثل الأسد يَفرِض ولا يُفرَض عليه. أكبر رهان على ذلك، عدم رضوخه رغم دمار سوريا وسقوط 220 ألف قتيل معلن وغير معلن، عدا ملايين النازحين والمهجرين.

في قلب هذا الإعلان، حلقة غائبة وإمّا مغيبة عن “الأسديين” وهي أنّ قائد “محور الممانعة والمقاومة” لم يعد الأسد وإنّما إيران. انتقلت القيادة من الأسد العربي إلى خامنئي الفارسي. باختصار إنّه الانتصار الكبير إذا كان قد أُنجز وتحقّق لإيران الفارسية باسم الإسلام، منذ 2500 سنة. بهذا الانتصار باسم الإسلام ديناً وفكراً ومنهجاً هو كما يعيشه الفرس في ذاكرتهم الشعبية الردّ الكبير على الهزيمة أمام “الغزو الإسلامي” لإيران الفارسية. هذا “الانتصار” لم يكن ليتم بسبب سوريا، ولكن لأنّ العرب “غائبون”.

بداية، الانتصار في معركة لا يعني الانتصار في الحرب. الأسد خارج كل المعادلات، لأنّ مصيره لم يعد بيده. الخارج هو الذي سيحدّد مستقبله. يبقى في الرئاسة أشهراً معدودة أو أكثر لإقفال ملف السلاح الكيماوي، أمراً ليس بيده. أيضاً وهو مهم جداً، مجرّد الاعتراف بقيادة إيران لمحور الممانعة، يعني أنّ الأسديين يتقبّلون اليوم نهاية قيادة الأسد. “صموده” وشراسته ودمويته كلها كانت في خدمة قيادة إيران للمحور. لن يستطيع الأسد التخلص من إيران والإيرانيين. الجنرال قاسم سليماني وخبراؤه و”جنوده” من “حزب الله” ليسوا الخبراء الروس الذين أمرهم أنور السادات بمغادرة مصر فغادروها. لن يفلت الإيرانيون إذا انتصروا نهائياً في سوريا، مهما ألحّ الأسد. انتصار إيران الفارسية له وجه آخر، إنّه “الثأر للإمام الحسين والإمام الحسن من معاوية ويزيد”. بهذا تتزاوج الحالة القومية الفارسية بالحالة المذهبية الشيعية.

كتابة تاريخ منطقة مثل الشرق الأوسط ليست بهذه السهولة، ولا تتم بربح معركة ولا حتى بحرب في مربّع واحد منها. هذه المنطقة معقّدة جداً. تداخل الداخل والخارج، يؤجّل دائماً كتابة التاريخ فيها، لذلك:

[ استمرار الحرب في سوريا ولو في مناطق محدودة، يعني أنّ الحرب لم تنتهِ. انتصار نابليون في معركة اوسترليتز كان بداية لنهاية لم يتوقعها حتى في أسوأ كوابيسه وهي هزيمته في معركة “واترلو”.

[ “انتصار” إيران لا يمكن أن يتم من دون مصالحة كاملة وشاملة مع الولايات المتحدة الأميركية. لهذه المصالحة أثمانها وتكلفتها. لا يمكن أن تبقى إيران المتصالحة مع “الشيطان الأكبر”، كما كانت عندما حاربت باسم الإسلام والفكر “الحسيني الاستشهادي”. الفكر والنهج “الحسني” (من الإمام الحسن) سيفرض لغته ونهجه ولو مع الكثير من الحذر خوفاً من الغدر.

[ إيران ليست الصين التي تصالحت مع الولايات المتحدة الأميركية وحافظت على استقلاليتها رغم الانضباط بشروط المصالحة. إيران قوّة اقليمية وليست دولية واقتصادها كان وما زال احادياً. بينما اقتصاد الصين تعدّدي وضخم. طهران “الجديدة” مضطرة للتنسيق مع واشنطن التي مهما تنازلت لا يمكنها كسر ما يتعلق بحقوقها المشروعة في القرار. في النهاية واشنطن هي التي تحدّد وجهة المسارات لحلفائها مثل الاتحاد الأوروبي فكيف لمتصالح معها بعد طول خصام؟ لذلك ماذا سيكون الفرق بين شرق أوسط أميركي جديد وشرق أوسط إيراني جديد؟

[ تأكيد انتصار محور الممانعة والمقاومة بقيادة إيران، سيقوم على حالة تقوم على انتصار الأسد. مثل هذا “الانتصار” (إذا حصل) سيكون أولاً على حساب جزء أساسي من الشعب السوري وتحديداً السنّي منه. لذلك كله فإنّ “الهزيمة” المزدوجة للثورة وللإسلام المعتدل بالسلاح الشيعي، سيؤجّج الإسلام المتطرّف التكفيري ويجعله يتمدّد على حساب الإسلام المعتدل. كل هذا يمهّد لحرب استنزاف قاتلة لا تنتهي بعقد وربما بعقود من الزمن، الخاسر الكبير فيها “حزب الله” والشيعة اللبنانيون المنخرطون معه.

“لا تكرهوا شيئاً لعله خير لكم”. انتصار إيران في سوريا، وصعود التكفيريين يفتح الباب أمام “خير” إحياء القومية العربية التي حُوربت مع جمال عبدالناصر وبعد غيابه، المتزاوجة مع الإسلام المعتدل الذي بدأت بشائره تظهر وإن بصيغ مختلفة في النجف والأزهر معاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل