
إستبق رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي موعد انعقاد القمة اللبنانية – السعودية مطلع الأسبوع الماضي ليعلن موقفاً إنتقادياً ضد القيادة السعودية فيما أسماه بالشخصانية في التعاطي السعودي معه ومع حكومته، في إشارة واضحة إلى استيائه البالغ من إغلاق أبواب المملكة في وجهه والامتناع عن التعاطي مع حكومته على جميع المستويات تقريباً باستثناء بعض اللقاءات الديبلوماسية والبروتوكولية اليتيمة بالداخل اللبناني منذ قبوله تشكيل الحكومة المستقيلة الحالية التي يرأسها بدعم مطلق ومكشوف من نظام الأسد و«حزب الله» قبل حوالى الثلاث سنوات، خلافاً لتعاطي المملكة الطبيعي مع أي حكومة لبنانية أخرى، وهو ما اعتبره المراقبون السياسيون بمثابة أول موقف انتقادي على هذا المستوى يصدر عن ميقاتي منذ توليه الشأن السياسي العام وحتى اليوم ويحمل في طياته أكثر من مؤشر ومدلول كون هذا الموقف أعلن بالتزامن مع انعقاد القمة اللبنانية – السعودية وهو ما يعني أنه معدّ سلفاً وعن سابق قصد وتصميم ولم يأتِ بالصدفة أو بمثابة زلّة لسان وفي لحظة انفعال كما يحدث في بعض الأحيان، ليأخذ مداه ويؤثر على أجواء القمة المذكورة بشكل أو بآخر.
وفي اعتقاد بعض هؤلاء المراقبين أن الرئيس ميقاتي الذي تعمّد إعلان هذا الموقف الانتقادي ضد القيادة السعودية بعد ساعات معدودة من لقائه الأخير مع الرئيس نبيه بري، يأتي استجابة لطلب مباشر من القيادة السورية و«حزب الله» على حدٍ سواء، لتأكيد استمرار التحالف القائم مع هذا المحور في الصراع الدائر حالياً، إن كان في الداخل اللبناني بمواجهة تحالف قوى 14 آذار بزعامة تيار المستقبل او على صعيد المنطقة العربية بمواجهة التكتل العربي بقيادة المملكة العربية السعودية حتى النهاية، ولاعطاء انطباع في اوساط الرأي العام بعدم جدوى الضغوط والمقاطعة السعودية والخليجية وكل من يتحالف معها عربياً ضد هذا التحالف في الداخل والخارج على حدٍ سواء وتحديداً مع ميقاتي وغيره من الشخصيات السياسية السنية التي إنضوت في اطار هذا التحالف قبل سنوات عديدة، لا سيما بعد الادعاء المزيف باحتمال انتصار تحالف النظام الاسدي و«حزب الله» في الصراع الدائر بسوريا حالياً خلافاً للواقع واستناداً الى ما يسميه انصار هذا التحالف بالتقدم في بعض المواقع القتالية بالداخل السوري ضد الثوار او للصفقة الايرانية الغربية المحتملة بشأن الملف النووي الايراني وانعكاساتها الايجابية على موازين القوى العائدة لهم ضد خصومهم بالمنطقة.
إلا ان بعض هؤلاء المراقبين يعتبرون ان موقف الرئيس ميقاتي الانتقادي ضد التعاطي السعودي معه مرده الى يأسه من إمكانية اعادة التواصل وتطبيع علاقاته مع القيادة السعودية برغم كل المحاولات اليائسة التي بذلها خلال السنوات الماضية لفتح ابواب المملكة امامه من جديد، إن كان من خلال طلباته المتكررة اكثر من مرة لزيارتها، او من خلال قيامه عمداً بأداء مناسك العمرة مراراً او المشاركة بواجب العزاء بوفاة بعض المسؤولين السعوديين الكبار، ولكنه لم يلقَ اي تجاوب على الاطلاق وبقيت كل الابواب موصدة في وجهه والاتصالات مقطوعة معه على المستويات الرفيعة ومقاطعة حكومته على اشدها للدلالة على استمرار الاستياء السعودي الرسمي من قبوله بالانحياز الى محور الاسد ايران وقبوله بترؤس حكومة مدعومة بالكامل من هذا المحور في مواجهة تحالف قوى 14 آذار وضد الرئيس سعد الحريري حليف المملكة على وجه الخصوص.
وفي رأي هؤلاء المراقبين فإن ميقاتي المعروف عنه إجادة التهرب من إعلان المواقف المحددة والتملص من إعطاء الأجوبة القاطعة، والتمهل بالانفعال قطع الأمل نهائياً من محاولاته لترميم علاقاته مع المسؤولين السعوديين وكأن شيئاً لم يحصل كما يفعل مع بعض السياسيين اللبنانيين، ولذلك، فقد صوابه وأصدر موقفه الانتقادي ضد القيادة السعودية في حضرة العديد من الصحافيين متعمداً اعلان هذا الموقف بالتزامن مع انعقاد القمة اللبنانية – السعودية، على امل ان يرخي موقفه هذا بتأثيره على أجواء القمة وللتعبير عن انزعاجه الشديد من تجاهل حكومته، إن كان بالتواصل أو من خلال التغييب المتعمد للوزراء المختصين عن المشاركة في مثل هذه المناسبات السياسية المهمة بين البلدين، في حين يعلم القاصي والداني ان ما أعلنه رئيس الحكومة المستقيلة لم يقدم أو يؤخر في مسار اجتماعات القمة ونتائجها ومؤشراتها التي اعطت انطباعات اضافية ودلائل قاطعة بعدم جدوى مثل هذه المواقف الانفعالية على السياسة السعودية تجاه لبنان او غيره.
ويخلص هؤلاء المراقبون للاستنتاج بأن جنوح ميقاتي لمثل هذا الموقف المتهور ضد القيادة السعودية مرده أيضاً إلى حالة الاحباط التي يعانيها جرّاء فشل حكومته وعدم القدرة على الاستفادة من ترؤسه لهذه الحكومة في تثبيت زعامته السياسية والشعبية التي يطمح إليها ليضاهي بها زعامة خصمه زعيم تيّار المستقبل الرئيس سعد الحريري حتى في مدينته طرابلس بالذات التي يلاحظ مدى الانكفاء عنه حتى بوجوده في سدة رئاسة الحكومة حالياً، لا سيما بعدما عاشت عاصمة الشمال جولات عنف متتالية في ظل هذه الحكومة شبيهة بما مرّت به إبان الحرب الأهلية المشؤومة، في حين تبقى الدلالة الاهم جراء مثل هذا الموقف وهي انقطاع الأمل نهائياً بترؤسه اي حكومة مقبلة في ظل توازن القوى القائم حالياً، ولأن أي رئيس حكومة مقبل، لا بد وأن يتمتع بعلاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية وهذا لم يعد متوفراً فيه.
