#adsense

لا حياد ولا تحييد؟

حجم الخط

يقف لبنان بموقعه الجغرافي ونسيجه الطائفي وسط مجموعة من التقاطعات الاقليمية حركت فيه دائماً تناقضاته الدفينة وجعلته ارض ترددات للهزات التي لن تنتهي في هذه المنطقة!

هذا ليس خافياً على الذين اجتهدوا في ندوة “الاستقلال من الميثاق الى اعلان بعبدا”، لإظهار الفرق بين “الحياد” و”التحييد”، ولا على اللبنانيين الذين يكررون من أيام الميثاق الى”اعلان بعبدا” القول: اقرأ تفرح جرّب تحزن، بمعنى ان لا الميثاق صنع دولة لبنانية مستقرة وقوية وقادرة باجماع ابنائها ولا “اعلان بعبدا” يمكن ان يصنع هذه الدولة، لأننا نغوص عميقاً في الانقسامات التي تمزق المنطقة.

“حزب الله” تعمّد الغياب عن هذه المناسبة، والنائب محمد رعد يقول ان الاعلان الذي صدر عن “هيئة الحوار الوطني” جفّ حبره، وفي الواقع يجفّ حبر الحوار مع الانقسام السحيق بين اللبنانيين، والذي يزيد منه اصرار الحزب على الاستمرار في الانغماس في الحرب السورية، وليس من حاجة الى التذكير بما قيل عن “اعلان بعبدا” بعدما كان أقرّ بالاجماع، من ان على اصحابه “نقعه وشرب مياهه”، لكن لبنان كان منقوعاً بالخوف والانقسام فصار منقوعاً بالفلتان الامني وانعدام هيبة السلطات! ان الانقسام المتزايد بين مكوّنات اساسية في نسيج لبنان الطائفي، وان عصف رياح الكراهيات المذهبية البغيضة في المنطقة كلها، يجعلان من التأمل في القضايا الثلاث التي يستثنيها “اعلان بعبدا” من التحييد، باعثاً على الاحباط لأنه يستحيل فك الترابط الحتمي بين المقبول والمستثنى في عملية التحييد!

ان البند الثاني عشر من الاعلان مثلاً يدعو الى تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الاقليمية والدولية لتجنيبه انعكاساتها السلبية على وحدته، ولكن كيف يمكن الفصل تحديداً بين هذه القضايا المستثناة من التحييد، أي:

1 – “التزام قرارات الشرعية الدولية”، عندما تتصل بالصراعات الاقليمية والدولية، وهي قرارات اختلفنا ونختلف على الكثير منها، 2 – “التزام الاجماع العربي” الذي لم ولن يحصل قط في مواجهة مسلسل الازمات العربية المزمنة، 3 – “التزام القضية الفلسطينية المحقة” التي طالما شكّلت وتشكل منطلقاً اساسياً لسياسة المحاور والصراعات الاقليمية والدولية، اضافة الى خلافاتنا على الدور والمتوجبات اللبنانية حيالها.

كيف يمكن التزام قرارات الشرعية الدولية عندما نختلف مثلاً على القرار 1701 وما سبقه من قرارات تتعلق بلبنان، وعندما يعتبر “حزب الله” ان اي حياد أو تحييد خارج أجندته النابعة من سياسة المحور الايراني، هما تنكّر للواجبات الوطنية وخيانة للبنان، والدليل انه يعتبر تورطه في الازمة السورية واجباً وطنياً وقومياً لأن مستقبل سوريا لا يقرر مستقبل المقاومة فحسب بل مستقبل لبنان وسلامته، فماذا يبقى من حياد او تحييد… بالاحرى ماذا يبقى من لبنان؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل