#adsense

جان مبارك رزق آخر شهود قلعة راشيا يروي بعض وقائع الاعتقال قبل رحيله

حجم الخط

كان زمن الانتداب، والدولة خاضعة لارادته، ولبنان يغلي كالمرجل وهو يضيق ذرعا بممارسات المفوض السامي “هلّلو”، وأجمعت القيادات الوطنية – باستثناء قلة آثرت تهميش نفسها – على استغلال شرخ اصاب التحالف الدولي تمظهر في تعديل الدستور عام 1926 بحذف المواد التي تتعارض وسيادة لبنان واستقلاله. اثار هذا التعديل حفيظة سلطات الانتداب، وحملها على سوق رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح وعدد من أعضاء الحكومة الى السجن في قلعة راشيا.

هناك صفحات مطوية تتصل بتفاصيل تلك الايام التي أمضاها الرئيسان الخوري والصلح ورفاقهما في مكان احتجازهم، كشف احدى صفحاتها جان مبارك رزق المولود عام 1916 في جزين، والمتوفى عام 2012 متمتعا بكامل قواه العقلية ومحتفظا بذاكرة لم تنل منها شيخوخته.

كان رزق رئيسا لمركز الهاتف في راشيا. عندما اقتيد الرئيسان اليها وألحق بهما عادل عسيران وكميل شمعون وعبد الحميد كرامي وسليم تقلا. فلنستمع اليه يروي: “فوجئت بعد منتصف ليل 10 – 11 تشرين الثاني بدركي يدعى حمد يطرق باب غرفتي بقوة، وكانت الساعة تؤشر الى الخامسة فجرا. وعندما فتحت له بادرني بالقول: أريد الاتصال بالضابط المسؤول (وكان يومذاك الملازم عبد المنعم فواز). أريده أن يأتي على جناح السرعة، لأن الشيخ بشارة ورياض بك وصلا الى القلعة، ويبدو ان هناك “كبسة” وتفتيشا. فتعجبت للأمر وتساءلت: هل يعقل ان يقصد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة معا هذا المكان النائي، وفي مثل هذه الساعة لمجرد “الكبسة”؟ وانتابني شعور غامض لم ينجل إلا بعد دقائق حين اقتحم الغرفة ضابط فرنسي من الامن العام معرّفا بنفسه: الملازم بوتيون، وكان في معيته لبنانيان أحدهما من عائلة شكيبان الدامورية. وأعلمني ان المخابرات الواردة الى القلعة والصادرة عنها، ستكون خاضعة لجهازه، على ان يتولى مرافقاه مهمة التنصت. فتمنعت – والكلام لرزق – وقلت: آسف. إن ما تطلبه يدخل في صلب سر المهنة، ولا أستطيع تنفيذ هذا الامر كوني موظفا في ادارة الهاتف، وأتبع لرؤسائي المباشرين. فاحتدم الجدال بيني وبينه، وكاد يتطور لولا وصول المدير العام للأمن العام القومندان غوتييه الذي استفسر عن “الخناقة”. وعندما أحيط علما بالسبب طلب الي الاتصال بالضابط المسؤول عني الكابتان ساشان، وأطلعه على ما ينوي عليه والدافع الى ذلك. فكان له ما أراد، وأبلغني ساشان وجوب وضع نفسي موقتا في تصرف الامن العام. وهكذا أصبح المركز في عهدة هذا الجهاز”.

ويتابع رزق: وصل الشيخ بشارة ورياض بك تحيط بهما ثلة من الجنود السنغاليين، فادخل الاول الى غرفة قائد القلعة الكابتان لافلو، والثاني الى غرفة معاون القائد، ووزع الوزراء على غرف جناح الحرس الى يمين المدخل الرئيسي للقلعة ويساره وسبق اركان الدولة الى القلعة المدير العام السابق للامن العام الامير فريد شهاب، والامين في الحزب السوري القومي الاجتماعي جبران جريج من لبنان، والسياسي صبري العسلي من سوريا، وقد اعتقلوا لاسباب لا صلة لها بالاحتجاز الجماعي للقادة الوطنيين.

ويصف رزق الايام الثلاثة الاولى لاعتقال القادة بأنها كانت شديدة الوطأة عليهم، وكذلك الحراسة. لكن لم تتم مضايقتهم، او توجيه اي اهانة اليهم. وهو تدبر بوسائله الخاصة وبالمرونة التي فطر عليها، امر توفير وجبات خاصة كانت تعدها سيدة من راشيا معروفة باجادتها الطهو، الى المعتقلين، وذلك بسبب تعذر وصول ذويهم لبعد المسافة، والاجراءات العسكرية حول القلعة.

لكن الدور المميز لرزق كان اطلاعه الصلح على تفاعلات اعتقالهم في المحافل الدولية، فيقول: كان شبل البستاني شقيق فؤاد افرام البستاني حصل على امتياز مشروع كهرباء راشيا، فاستأجر بيتا في البلدة وكان مقترنا بسيدة من مشغرة على درجة عالية من الثقافة، وتتقن عدة لغات، وتشترك في عدد من المجلات العالمية، خصوصاً تلك الصادرة بالانكليزية. وفي منزل البستاني كان يلتقي كل ليلة القائمقام شفيق ابو حيدر ومحافظ بيروت في ما بعد، وشلة من الاصدقاء، وانا للعب “البريدج”. وذات ليلة انتحت بي زوجة البستاني واطلعتني على خبر نقلته احدى المجلات البريطانية منشور في اطار من “شبك” في صفحتها الاولى، وحرفيته “ان دولة صاحبة الجلالة، تدين اعتقال رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة ومعاونيهما، وتعمل من خلال الاتصالات التي تجريها مع المعنيين على اعلى المستويات لاطلاقهم”. ومن دون استئذان اقتطعت الخبر من المجلة، وغادرت المنزل الى القلعة، مصمماً على ايصاله الى رياض بك لوقوع مكتبي قبالة مكان احتجازه، وتحينت فرصة خروجه مع حارسه السنغالي لقضاء حاجته، فـ”كعوكت” الورقة حتى صارت على شكل “كلّة”، ورميتها في اتجاه غرفته. ولما عاد التقطها واطلع عليها، ووجدته منشرحاً. واشرت اليه من بعيد بوجوب احراق الورقة بالتلويح بعلبة “كبريت”، فرد علي ضاحكاً بعلامة من اصبعه تشي ان القصاصة استقرت في جوفه.

ولم يطل الوقت حتى طرأ تطور بارز تمثل في زيارة الجنرال كاترو القلعة. يومها اقفلت الطرق المؤدية اليها ودق “البرزان”، ومنعنا من الخروج من مكاتبنا، وسرى همس بأن “الجنرال” شرع يتفاوض مع الشيخ بشارة وشمعون، ونقل عنه انه انحى باللائمة على “هللو”، ووصف عمله ضدهم بأنه “اخرق”. اعقب بدء التفاوض تخفيف الاجراءات، فأخذ المعتقلون يلتقون لمدة اربع ساعات يومياً. وخلال هذه الفترة بدا رياض منشرحاً يوزع النكات، ويطلق القهقهات. وقبل ساعات من الافراج عن اركان الدولة، قال له وهو في طريقه للانضمام الى رفاقه: رايحين ناكل سمك يا جان”، فأجاب الاخير وعلامات الدهشة بادية على وجهه: “البوسطة التي غادرت راشيا الى صيدا وبيروت فجر اليوم تعود مساء الغد، ولن يكون هناك سمك قبل ثلاثة ايام”، فاستغرق رئيس الحكومة بالضحك، وقال مكرراً: “بدنا ناكل سمك… بدنا ناكل سمك”. وكأني به شعر بحدسه السياسي الثاقب دنو ساعة الفرج. وقبل أن تعود “بوسطة” راشيا من العاصمة، غادر القادة القلعة التاريخية، وتوجهوا الى بيروت التي احسنت استقبالهم، ليصبح في ما بعد 22 تشرين الثاني 1943 عيداً للاستقلال.

اما جان رزق فواصل حياته المهنية موظفا في ادارة الهاتف. وعلى الرغم من علاقة وطيدة شدته الى الشيخ بشارة ورياض بك، وتردده عليهما في القنطاري والسرايا الصغير، ورأس النبع، لم يطلب شيئا لنفسه. كان قانعاً بوظيفته، وبما قسم الله عليه.

بدأ رزق رحلة عمره من جزين فراشيا والنبطية وزحلة، ثم جونيه قبل ان يستقر في تربة “عروس الشلال”. وكان يردد: “اين الرجال، البلد ما عاد فيه لا قامات ولا هامات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل