Site icon Lebanese Forces Official Website

تعدّدت التفجيرات.. والانتحار واحد

“ما بتروح إلا على الأبرياء” جملة يرددها اللبنانيون بعد كل تفجير يطال أي بقعة من الأراضي اللبنانية.. يدوّي الإنفجار، تتزاحم التصريحات، وتتسابق الكاميرات لإلتقاط مشاهد الإرهاب.. تفرغ الشوارع من المارّين، تخفّ زحمة السير، الكل أمام الشاشات يتابع الحدث. مشهد يعيد الى الذاكرة تفجيرات طرابلس والأشرفية وفردان والسان جورج وغيرها، ويبقى السؤال الكلاسيكي: “مَن هو المستهدف؟”.

ويصبح البحث عن المستهدَف أمراً ثانوياً، حين يبادر السفير الإيراني في لبنان الى “اتهام الكيان الصهيوني”، قبل أن تكمل الأجهزة الجنائية مسح المكان، خصوصاً أنه كانت قد ترددت معلومات عن مقتل أكثر من مسؤول أمني إيراني. وبالمقارنة مع تفجيرَي الرويس، فإن محيط السفارة الإيرانية مختلف جغرافيا من حيث الإكتظاظ السكاني وزحمة الأبنية، فهو اكثر اتّساعا ووضوحا كما أنه طريق مفتوح لا يتم إغلاقه نظراً الى ما يحيط بالسفارة من شركات تجارية، وهذا ما سهّل وصول الإنتحاريَّين الى أقرب نقطة من السفارة.

ولا شكّ في أن الكاميرات المزروعة في محيط السفارة الإيرانية ستساعد في كشف ملابسات التحقيقات، علما أن السفارة اليمنية أكثر بُعدا ولا يمكن لكاميراتها أن تلتقط مشاهد قريبة، وهذا ما ظهر مثلا بعد قتل الشاب هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية، حيث لم تقدّم الصور التي التقطتها السفارة اليمنية أي معلومة عمّن أطلق النار على هاشم، ووحدها كاميرات السفارة الإيرانية يمكنها أن تفي بالغرض، وهي طبعا لم تقدّم تلك الإثباتات.

وفي ما يتعلّق بسيناريو التفجير، فالصورة لا تختلف عن التفجيرات الإنتحارية التي تحصل في العراق وهذا تماما ما يمكن تسميته عرقنة لبنان الذي حذّر منه كثيرون.. ولا بدّ من أن الحكومة اللبنانية المستقيلة التي تنأى بنفسها حتى عن تأمين سلامة اللبنانيين، لم تأخذ منذ ما قبل استقالتها الإجراءات اللازمة للحدّ من دخول المسلّحين ذهابا وإيابا من لبنان الى سوريا وبالعكس، وهذا ما انعكس على لبنان، من دون أن تستدرك حكومته خطورة الأمر وتقفل حدودها كما فعلت تركيا مثلا.

لا يريد محور الممانعة التضحية بسوريا، إنما لا بأس بالتضحية باللبنانيين في سوريا وأمام السفارة الإيرانية، ولا يهزّ لوزير الخارجية جفن حين تستهدف منطقة عرسال والبقاع وعكار وشمال لبنان عموما بنيران سورية. تفجيران عند الصباح واشتباكات عنيفة على السلسلة الشرقية في الجهة المقابلة لمنطقة القلمون السورية والطيران الحربي السوري يغير على منطقة عقبة المبيّضة المأهولة في عرسال عند المساء ويعوق وصول فرق الإنقاذ الى المكان.. حصيلة اليوم الطويل من التفجير والقصف عدد متزايد من القتلى والجرحى، هذا ومعركة القلمون لم تبلغ أوجها بعد ولا تزال في بدايتها، فما الذي سيحلّ بلبنان واللبنانيين في الداخل وعلى الحدود حين تحتدم المعارك ويوظّف النظام كل مؤهلاته وآلته التدميرية الرعناء في هذه المعركة؟ وهل من خيارات ستضعها الحكومة لتجنيب لبنان نار الفتنة؟

حتى الآن، ليس هناك من بوادر لخطط احتياطية رسمية ويبدو أن الحكومة التي لا تقف في وجه الإجرام، كأنها تجاري من يستجرّ هذا الإجرام الى الداخل اللبناني، ساكتة عن الإصطفافات بين الداخل والخارج، وعلى الأرجح أنه سيصعب على الحكومة مواجهة المرحلة التي بلغها لبنان وهي بغالبيتها لم تمانع في إرسال المقاتلين الى سوريا، ومن قاد لبنان نحو الإنتحار، فكيف بها اليوم أن تحتاط بعد تفجيرين انتحاريين؟!

وفيما “ألقي القبض على القتيل وفرّ القاتل”، تبنّت “كتائب عبدالله عزام” التفجيرين الإنتحاريين، وهي جماعة تابعة لـ “القاعدة”. والمؤكد أنه لا قدرة على شخصين لتنفيذ مثل هذه العملية، ولا بدّ أنه جهد منظم خلفه أجهزة تنظم وتنسّق وأخرى مستقلة تمارس التضليل! والأخطر هنا أن هذا السيناريو في تبنّي التفجيرات، خصوصا الإنتحارية منها، يسير على الوتيرة نفسها منذ عشر سنوات تقريباً، حيث تُقحم فيها جماعة إرهابية لتصويرها على أنها عمل إرهابي افتعلته طائفة معينة.. لذا مثلا تمّ اختلاق قصة “أبو عدس” بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

بحسب القاعدة القضائية، فإن المتّهم بريء حتى تثبت إدانته، وهذا لا يُبرّئ “القاعدة” من عمليات انتحارية كثيرة قامت بها، إنما يمكن القول إنه مؤشر خطر الى أن يتم إلصاق هذه العملية بجماعات سنية، استغلالا لما في جعبة “القاعدة” من جرائم، وهو استغلال مقصود، وربّما هذا ما يفسّر التقارير الموثوقة عن علاقة إيران بـ “القاعدة” في العراق مثلا، وكذلك مراكز التدريب في سوريا.

اللبنانيون هم الضحية، يدفعون دوما ثمن تهوّر بعض الأطراف في بلد باتت اليد الطولى فيه للإنتحاريين والمجرمين والشبكات الإرهابية وحيث التضليل والإغتيالات. ينام اللبنانيون كل ليلة على امل أن يستقبلوا صباحا مفعما بالسلام، وحكومة جدية تعالج مشكلاتهم وتحميهم من الأخطار الأمنية التي جرّها البعض على لبنان. وإن كان وزير الخارجية الإيرانية يرى أن “تفجيرَي بيروت إنذار لنا جميعاً”، فماذا تنتظر الحكومة اللبنانية لتدقّ ناقوس الخطر الأمني؟

Exit mobile version