#adsense

تعليقاً على ما سُمّي المؤتمر المسيحي المشرقي

حجم الخط

تلقيت دعوة شخصية متوجة جزافا بعلامة السمكة، صادرة عن اللقاء المسيحي لحضور المؤتمر المسيحي الذي انعقد الاحد 2013/11/3 في سن الفيل، والذي تشارك فيه شخصيات مسيحية لبنانية وعربية ويتخلله اعلان وثيقة مسيحية مشرقية شاملة، وفيما بعد ظهر لي ايضا على شاشات التلفزة ان السفير السوري كان متصدراً الاجتماع.

واذ استفسرت عمن هم القيمون على هذا المؤتمر وتبين لي ان منهم من تربطني به معرفة، بل صداقة شخصية واستطيع تبعاً ان اتحاور معه هاتفياً بصراحة كلية ودون مواربة، اعتذرت له فورا عن حضور مثل هذا المؤتمر، ما لم يكن مقتصرا على المسيحيين اللبنانيين فقط، وبينت له بصراحة الاسباب التي تدفعني لاتخاذ قراري المشار اليه الذي اعتقدت ان بامكاني ان اقنع من احاوره بوقوعه في محله، لانه كان فيما مضى رئيسا لحزب سياسي مسيحي عريق، وان لفترة وجيزة، وكان مناضلا على مدى سنوات قبل ان يتغير ويصبح على ما هو عليه الآن، الا ان ظني خاب كلياً، فقلت له عندئذ ما يلي:

ان كل المسيحيين في الدول العربية – باستثناء لبنان وحده حتى الآن، وفي اماكن معينة منه فقط – هم ذميون من زمان قديم وتربطني بالبعض منهم قرابة أو نسابة وأعرف جيدا ماذا يقولون لي، وقد بقوا ذميين حتى بعد نجاح الانقلابات المسماة “تحررية او بعثية”، وسوق يبقون ايضا ذميين حتى بعد زوال تلك الانقلابات وحلول محلها انقلابات معاكسة تدعي بدورها انها تحررية وديموقراطية، وذلك لان الديموقراطية الصحيحة لا تتحقق بمجرد حصول انقلاب ولا يمكن تطبيقها حقا وفعلا، الا عند الشعوب الراقية والمتحضرة في سوادها الاعظم التي تعي جيدا معنى الحرية المسؤولة، والشرق عموما ما زال يلزمه عقود لبلوغ هذه المرحلة. واما لبنان، وبسبب وجود بعض المسيحيين الاحرار فيه، فإنه يتمتع بنوع من الديموقراطية فقط، وان كان هذا لا يكفي طبعا.

وعليه، ليس في مقدور مسيحيّي لبنان المنقسم بعضهم على بعض والذين ربما اصبحوا اليوم في حاجة الى من يدعمهم، ان يدعموا المسيحيين العرب، وان فعلوا ناءوا بحملهم، كما انه ليس في مقدور المسيحيين في الدول العربية الاخرى، وكلهم ذميون كما سبق قوله، ان يدعموا المسيحيين اللبنانيين. وكل ما في وسع هؤلاء ان يفعلوه للمسيحيين العرب هو ان يقدموا اليهم النصح كي يصفّوا، اذا شاءوا، ما يملكونه في تلك الدول وان يأتوا بصحبته الى لبنان الذي يرحب بهم طبعاً، ويمنحهم الجنسية اللبنانية – فرداً فرداً، وليس كجماعة تقدر بمئتي الف كما حصل سنة 1994 – وقد تضاعف الآن عددهم مع الزمن، وغالبيتهم من الفلسطينيين او من العرب غير المقيمين في لبنان، وصار تجنسيهم بمرسوم جمهوري بشحطة قلم، وليس بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، وتوزيعهم على المناطق اللبنانية وقيدهم فيها، فيأتي بهم الى لبنان من كان له اليد البيضاء بتجنيسهم ليستفيد من اصواتهم في الانتخابات النيابية فقط.

واستسمح القارىء اذا ما اخبرته في هذه المناسبة واقعة لا يعرفها الا قلة قليلة من اللبنانيين، وهي ان فارس بك الخوري اللبناني الاصل، وهو شقيق جدّ الاستاذ راجح الخوري الصحافي المعروف والكاتب السياسي الجريء والدقيق في كتاباته، عمل في سوريا واكتسب جنسيتها وخدمها باخلاص كما لم يفعله احد مثله، وكان من الوطنيين السوريين الذين ناوأوا الاستعمار الفرنسي في زمن الانتداب، فنفاه الفرنسيون الى أميون مع بعض امثاله، وكان عالما علاّمة ودرس القانون في جامعة دمشق وانتخب نائبا ورئيسا لمجلس النواب مراراً في سوريا، وعيّن مرة رئيسا للحكومة، فاصطدم مع احد النواب في المجلس، ويدعى الشيخ تاج الدين، فهاجمه هذا الاخير صارخا في وجهه: اسكت ايها الكافر، للمرة الاولى يصل كافر الى رئاسة الحكومة في سوريا. وانتهى فارس الخوري ممثلا دائماً لسوريا في الامم المتحدة، وكان يردد: من اراد العيش في هذا الشرق التعيس عليه ان يسلم!

اما المسيحي الآخر الشهير ايضا، الذي آمن بالقومية العربية وله فضل كبير عليها، وأعني الاستاذ ميشال عفلق، خريج جامعة السوربون في فرنسا، ولكنه السوري المنشأ والولادة، الفيلسوف والعالم السوسيولوجي، مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي، المعَدّ للانتشار في كل الاقطار العربية من الخليج الثائر حتى المحيط الهادر، تحت شعار وحدة حرية اشتراكية، والذي كان يقول ان اعظم ما انتجته العبقرية العربية هو الاسلام، والذي انسجاما مع نفسه، اعتنق الدين الاسلامي، ان ميشال عفلق اختلف مع زملائه البعثيين السوريين، وعلى رأسهم حافظ الاسد، ابن سليمان الاسد الذي سبق له سنة 1936، مع كثيرين آخرين من زعماء العشائر العلوية، أن وقعوا عريضة موجهة الى السيد ليون بلوم، رئيس حكومة فرنسا اليهودي آنذاك، يعلنون فيها رغبتهم في الانفصال عن سوريا.

وإثر ذاك الخلاف اضطر ميشال عفلق الى هجر سوريا واللجوء الى رئس حزب البعث العربي العراقي صدام حسين الذي استضافه كرهاً بالبعث السوري وخصّص له معاشا دون ان يشركه في السلطة الى ان مات نسياً منسياً.

صدقوني يا سادة، ان لبنان كله مهدد بالزوال جدياً، ولم يعد الترقيع فيه كافياً ولا شافياً، ولا تبنى الاوطان على الغش والخداع، ولا على التملق وتبييض الوجه، بل على الحقائق التاريخية والواقع السوسيولوجي الحي والصحيح، ومَن يُخفِ علته، تقتله. واما ان ترضى صدقاً وفعلاً كل الفئات اللبنانية المتناحرة طائفياً في الواقع وفي العمق بالحكم الديموقراطي المدني والعلماني، واما ان يقسّم لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل