#adsense

الإمعان في الكابوس: “الانتحاري” بين سفارتين

حجم الخط

لبنان يحبس أنفاسه بعد الهجوم الإرهابي في بئر حسن

الإمعان في الكابوس: “الانتحاري” بين سفارتين

يوم الخامس عشر من كانون الأول عام 1981 اقتحمت سيارة يقودها انتحاري ومحمّلة بالمتفجرات مبنى السفارة العراقية في بيروت لتنفجر بكامل حمولتها وسط المبنى، موقعة عشرات الضحايا (61 قتيلا). التفجير الذي استهدف السفارة الايرانية بالأمس يستعيد الكثير من ذكرى تلك الفاجعة الأليمة.

الفارق الأساسي اذا ما تجاوزنا مسافة السنين أن العملية الأولى كانت من تدبير المخابرات الايرانية، وفي بدايات تجلّي الخمينية، وفي مجرى نقل الصراع الحربي بين العراق وإيران بعيداً من أرض الجبهة، اذ كان سبق التفجير الارهابي الإيراني في بيروت غارة إيرانية على مصفاة أم العيش في الكويت. أما الانتحاري فالمرجّح أنه كان من “حزب الدعوة” الموالي لإيران.

يومها، لم يكن الشيخ الفلسطيني عبد الله يوسف عزّام – والذي تتسّمى باسمه المجموعة التي تبنت تفجير الأمس – قد لمع نجمه في “الجهاد الأفغاني” بعد. كان وصل لتوّه الى اسلام اباد، لكن “مكتب خدمات المجاهدين العرب” الذي أسسه هناك لتدبير انتقال آلاف المقاتلين لمحاربة الغزو السوفياتي لأفغانستان والنظام الشيوعي المعزول شعبياً فيها لن يبصر النور قبل العام 1984. أيّاً كانت مآلات هؤلاء المجاهدين اثر ذلك، يبقى انهم قدموا أفغانستان لينصروا شعبها ضد غزو أجنبي يستهدف بناهم الحضارية، أما الانتحاري الذي وجهته المخابرات الإيرانية لتفجير السفارة العراقية في بيروت، فكان ينقل الصراع بين البلدين بعيداً آلاف الكيلومترات عن جبهته، ويدشّن عصر العمليات الانتحارية المرتبطة بتسويغ ايديولوجي اسلاموي.

ماذا – في المقابل – عن الحاصل اليوم؟ بعد اثنين وثلاثين عاماً، نحن أمام عملية انتحارية تستهدف سفارة النظام الذي كان أوّل من استحل الوسيلة، وضد بعثة ديبلوماسية في بيروت. ادانة الإرهاب موجبة، خصوصاً النوع الانتحاري منه: فهو يمثّل قفزة نوعية على طريق الخلط بين عالمنا هذا وبين عالم ما وراء القبر. لكن الانتحاريَّين أمس لم ينقلا الصراع الى مكان ينأى تماماً عنه. التفجير يُدرَج في سياق حرب المواقع المتنقلة، التي تضاف الى حرب الجبهات المتحركة بين “ثورة شعبية مسلّحة” تنبثق من النسيج الأكثري السني للمجتمع السوري وبين “ثورة مضادة” تنبثق من استماتة النظام البعثي السوري على البقاء ومواصلة النظام الإيراني و”حزب الله” التابع له عملية “التأطير الشيعي” للنظام “العلوي الحاكم” في سوريا.

أما “كتائب عبد الله عزّام” فهي لا تشبه سيرة عزّام نفسه، الذي تتواتر الروايات عن اختلافه في نهاية الثمانينيات، وقبل مصرعه، عن الرؤية التي ستركب رأس أسامة بن لادن وتلامذته الآخرين. كان أكثر وعياً من “الأفغان العرب” الآخرين الى وجوب عدم فرض ثقافة دينية مغايرة لتلك التي نشأ عليها المجتمع الأفغاني المسلم. وكان واعياً أكثر من سواه الى وجوب عدم الذهاب بعيداً في عملية تشكيل “أممية جهادية اسلامية” تخبّط على غير هدى هنا وهناك. لولا هذه الحكمة لما كانت له أصلاً هذه الكاريزما التي تحوم حول اسمه والتي تستدعي التسمّي به، وان يكن لتسويغ مسالك مخالفة لنهجه.

لكن هذا لا يلغي، بل يعمّق عناصر التشابه بين ما تعيشه سوريا اليوم وبين ما قاسته أفغانستان في الثمانينيات. في الحالتين، ثمة نظام يرمي النسيج الأكثري من مجتمعه بأنه تنقصه المناعة أمام الفكر الرجعي ويستعين على هذا النسيج الثائر بالسوفيات أو بالباسدران. وفي المقابل تتجدّد ظاهرة الجهاديين المهاجرين، المتصلين مذهبياً بالنسيج الأكثري، والمخالفين ايديولوجياً لعوائد السكان المحليين. لكن جديده في الحالة السورية، ان “الجهادي السني” يتحارب مع “الجهادي الشيعي”، بشكل كان نظّر له السيد حسن عشية اشتعال معركة القصير بالدعوة الى تحييد لبنان، والتقاطر للمجاهدة “ضدّ بعضنا بعضاً” – كاد يقول – في سوريا. يومها أردف السيد: “قد نكون واياكم نختلف في تقييمنا للواجب الجهادي”. ما تناساه ان الاختلاف في التقييم يترتب عليه اختلاف في تحديد الاطار الجغرافي ايضاً للنزاع. ما قام به انتحاريّا الأمس يُعدّ من هذه الناحية محاولة للخروج من حلم يقظة السيد عشية معركة القصير، انما للمزيد من الإمعان في الكابوس، وقد اتخذ شكل “إعادة تصوير” عملية تفجير السفارة العراقية في بيروت – بالمقلوب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل