#adsense

“حزب الله” و”القاعدة” مجنونان.. والعاقل واحد

حجم الخط

الإتهامات التي تلت التفجير المزدوج أمام السفارة الإيرانية تؤشّر كلها الى تفاقم خطورة الأحداث.. فخطاب قوى الممانعة يرتفع بدل أن يتّخذ منحى اعتداليا ليزداد تطرّفا وانقساما في توجيه الإتهام تارة الى المملكة العربية السعودية وطورا الى إسرائيل. وهذا كله يستتبع ردود فعل مماثلة، فالمستقبل مفتوح على تفجيرات وربّما اغتيالات، وإذا ما استمر “حزب الله” بتعزيز مستوى “الجنون الجهادي والخطابي” لديه، فإن ردود فعل “القاعدة” وغيرها من المنظمات الإرهابية لن تكون طبعا أقل تهوّرا.. إنه التحدّي المجنون!
وهذا تماماً ما يظهر الفرق بين جنون القتال والحروب المتهوّرة المفتوحة على مصراعيها، وبين لغة العقل والخطاب السياسي الهادئ الذي تعتمده قوى 14 آذار، وتحديدا تيار “المستقبل” الأكثر استهدافاً من قبل قوى الممانعة الإيرانية.. جنون الإنقلابات، والتعديات على الدستور والقانون، وجنون الحروب الهمجية والإنتصارات الإلهية أثبتت مرة جديدة أنها لا تمثّل لبنان منذ 8 سنوات وحتى اليوم.

“تمثيل الإنتحاري” متبادل بين قتال قوى الممانعة في سوريا وردّ الفعل الذي تقوم به الجماعات الإرهابية التي تربّت منذ عقود في أحضان النظام السوري. وكأن لغة التفجير وتبادل الرسائل الإرهابية باتت بديلاً عن التبادل الديبلوماسي، فـ “حزب الله” بسلاحه وعتاده وتهوّره لم يترك لـ “الأخذ والعطاء” مكاناً. حزم حقائبه وغادر مودّعاً الأهل والأقارب ومتوعّداً اللبنانيين الأحرار بقطع الأيادي وواعداً النظام السوري بنجدته. أشعلت إيران للحزب الضوء الأخضر وحمّلته المهمة الأصعب على الإطلاق وتركت شباب لبنان يواجهون الموت: “الله يعطي وإيران تأخذ”.

ضحّى “حزب الله” بشباب لبنان طمعاً بنيل بركة إيران ورضى النظام السوري. ومع تدخّل “حزب الله” نيابة عن إيران في ثورة الشعب السوري، انتقلت ثورة الحرية والإستقلال والتعبير عن الرأي الى مرحلة الحرب الهمجية التي تقمع الشعب بواسطة القتل، واتّخذت منحى دينياً مع اعتراف “حزب الله” بأنه يدافع في سوريا عن المقامات الدينية. تجنّى “حزب الله” على الطائفة الشيعية، وعلى أبنائها غير أن ردود الفعل شملت لبنان كلّه، وجرّ تهوّر “حزب الله” في سوريا تهوّراً من نوع آخر في لبنان، هو الذي يدفع بشباب لبنان نحو الإنتحار واستتبع تدخّله انتقاما انتحاريا تمثّل بسيارات مفخخة في الضاحية الجنوبية وآخرها انتحاريان أمام السفارة الإيرانية.

لم يرتدّ “حزب الله” عن المغامرة ولم يردعه أحد عن المغامرة التي يفاخر بها ويعتبرها نصراً إلهياً. فلا الحكومة حرّكت ساكناً واعترضت طريقه نحو الداخل السوري ولا القرار السياسي صدر لرفع الغطاء عن القوى الأمنية المسؤولة عن إحكام السيطرة على الحدود، ولا إيران أشفقت على شباب لبنان، ولا الأمين العام لـ”حزب الله” استمع الى صوت العقل والى نصائح كل الذين دعوا الى انسحاب حزبه من سوريا حتى لا يكون السبب في عرقنة لبنان.

ظلّ الحزب يعاند ويكابر وبين الجولة والأخرى يوزّع الحزبيّون البقلاوة، واعتلى القيّمون على الحزب المنصات والمنابر في كل المناسبات، ولم تردعهم حرمة موت شباب لبنان في سوريا عن ملذّات من نوع السخرية والتهديد.. يقول الأمين العام للحزب بأن تدخل “حزب الله” في سوريا “أسقط العرقنة”، وفي المقابل فإن الحزب لم يعد يقاتل على جبهة واحدة، لا بل تكثر من حوله الجبهات الإرهابية التي تطوّق لبنان وتعرّض حياة اللبنانيين للخطر.. إن “حزب الله” حوّل الساحة اللبنانية الى ساحة لتصفية الحسابات، فكل من يسعى الى الإنتقام من “حزب الله” والى الردّ على تدخّله في ما ليس له فيه يستغلّ الخاصرة الرخوة للحكومة اللبنانية ويعتدي على اللبنانيين الآمنين.. فهل للحزب أن يشرح للبنانيين، ومن حقّهم أن يلقوا جوابا، كيف أن تدخّله في سوريا أسقط العرقنة؟

أسئلة كثيرة لن يجيب عنها “حزب الله” لأنه من دون شكّ يعتبر أن التفجيرين الإنتحاريين هما نصر إلهي، وسيتم استغلال الحادثة وتوظيفها لمصلحة النظام السوري المغلوب على أمره والضعيف في المعادلة الدولية، فيما هناك من يريد تشويه صورة إيران بمواجهة إسرائيل دفاعاً عن فلسطين! هكذا بكل بساطة، الفضل في ارهاب “داعش” وأخواتها يعود الى ثلاثي الممانعة، من دون أي اكتراث بالمواطن اللبناني وطبعاً من دون أن يعترف “حزب الله”، وإن كان مدركاً، بأنه “كما يُعامِل سيعامَل”، وكما تجرّأ على فتح الحدود أمام مقاتليه للدخول الى سوريا، فإن هناك العديد من الجماعات الإرهابية المتطرّفة، التي حذت حذوه ودخلت الى لبنان للإنتقام منه.
“هذا ما جنته قريش”.. فـ “حزب الله” جعل من لبنان مكسر عصا، جرّده من الدستور وأسقط عنه القوانين بانقلابه على الدستور، وبرفضه مشاركة السني المعتدل والمنفتح في الحكم وهو تيار “المستقبل”، ثم عمد الى تطيير “إعلان بعبدا” ملغيا بالتالي شراكته مع قسم كبير من المسيحيين المعتدلين والمنفتحين على الجميع وأوّلهم رئيس الجمهورية.. فاتّضح أن “حزب الله” لا يريد الإعتدال، بل يفضّل التطرّف، وهو أصلا يعترف بذلك عن نفسه في البيان التأسيسي للحزب. “حزب الله” في سوريا يسيء الى لبنان، وهي المرة الأولى التي يواجه فيها بالدمّ الجماعات الإرهابية المتطرّفة، وبات الحزب المنقلب قاعدة لـ “القاعدة” وملحقاتها.
بين التهوّر والتعقّل حدود مشرّعة على الإرهاب والقتل.. شرّعها “حزب الله” واستغلّها من يسعون الى تلقينه درساً، لكنها في كل مرة “بتطلع براس” المواطن اللبناني. مهما حوّرت تفسيرات “حزب الله” الوقائع، إن الحقيقة واحدة لا ثانية لها: رفض “حزب الله” الإعتراف بأن هناك من اخترق دويلته ومن يهدده بالتصعيد في حال لم ينسحب من سوريا، فكان التوجّه الى المحرّض أي إيران، رسالة أرادها الإرهابيون الطائشون أن تكون من لبنان.. ومن خلال التجربة، فلا إيران ستغيّر موقفها ولا الحزب مستعدّ للتفرّد بقرار العودة من سوريا، والأوضاع بالتالي ستتجه الى مزيد من التأزّم، ووحده لبنان سيتحمّل سداد الديون المتأخّرة! فمن سيرأف لحاله؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل