اللبنانيون يدفعون الثمن من أرواحهم وأرزاقهم وأعصابهم نتيجة تورّط فئة منهم من دون توكيل أو تفويض في حرب قرر نظام بشار الأسد شنّها ضد شعبه، وأثبتت الأيام أن جميع الحجج التي ساقها الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله تسويغاً لدماء قتلى الحزب التي تسيل على الأرض السورية، ليست في مكانها. فقبل إعلان تورّطه الصريح في الحرب إلى جانب النظام السوري، كانت الحجة الدفاع عن قرى شيعية أبخسها اتفاق “سايكس بيكو” حقّها، وضمّها إلى الخارطة السورية نتيجة “التقسيم الامبريالي والصهيوني” للعالم العربي عقب نهاية الحرب العالمية الأولى. وبعد سقوط هذه الحجة، استعان بحجة أخرى مفادها الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا تحت حجة “لن تسبى زينب مرتين” لكن هذه الحجة هي أيضاً بدت باهتة بعد أن تم “سبي” جميع النساء الباقيات في سوريا على يد النظام وشبّيحته. أما في المرة الثالثة، فالحجة كانت “لولا تدخلنا في سوريا لسقطت دمشق ومعها النظام في ساعتين” وربما هذا الأمر كان وحده صحيحاً بين جميع الحجج التي استخدمها السيد نصرالله لتبرير تدخّل حزبه في الدفاع عن بشار الأسد.
لكن الحجة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع هي تذرّع السيد نصرالله بوجود “تكفيريين” على أبواب لبنان وعوضاً عن الاشتباك معهم على أرض الوطن الغالي، فلنذهب إلى سوريا لقتالهم هناك ومنعهم من المجيء إلينا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نجح في ذلك؟ هل صحيح أن “حزب الله” تمكّن من ردع التكفيريين وصد تقدّمهم باتجاه لبنان؟ وهل إن الحرب التي انتصر فيها في القصير، والتغطية الإعلامية الحاشدة التي تسبق خوضه معركة جبال القلمون، منعتا هؤلاء “قطاع الرقاب وأكلة الأكباد والقلوب” من المجيء إلى لبنان وتحويله إلى “ساحة للجهاد” بعدما كان هؤلاء قد أعلنوه “ساحة نصرة” وبشّروا به اللبنانيين، كل اللبنانيين غصباً عنهم؟
كل المؤشرات وإعلانات الانتصار “الوهمية” تعبّر عن غير الحقيقة على الأرض. وفي سياق التحليل المنطقي لمسار هذه التفجيرات، فكل أصابع الاتهام توجّهت صوب النظام السوري وهي كذلك منذ كشف اللواء الشهيد وسام الحسن المخطط الفتنوي الشهير المعروف باسم “مملوك – سماحة” والتي يمكن اعتبارها نقطة البداية لنقل الأتون السوري إلى لبنان بعدما كان هدّد رأس هذا النظام وابن خاله بحرق لبنان إذا احترقت سوريا.
لم يتوقف التهويل والوعيد فكرّت سبحة التفجيرات من الرويس إلى بئر العبد فطرابلس فالجناح ناهيك عن منصات إطلاق الصواريخ من عيتات وبلونة، والنتيجة كانت وقوع ضحايا أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في معركة النظام السوري ضد شعبه.
وبعدما أثبتت التحقيقات الرسمية ضلوع النظام السوري وأتباعه في لبنان بهذه التفجيرات، فإن النتيجة تشير إلى أن هذا النظام يريد نقل المعركة إلى لبنان وتحويله إلى ساحة خلفية لحربه، علّه بذلك يستغل الوقت والمفاوضات التي تجريها راعيته طهران مع “الشيطان الأكبر” الذي تحوّل بقدرة قادر إلى “الحليف الأكبر” للنجاة بنفسه، غير آبه بدماء اللبنانيين وأرواحهم.
ومع ذلك، يصرّ “حزب الله” على الانغماس أكثر فأكثر في الوحول السورية، وبذلك تراه يغرق هناك في حرب وهمية ضد من يسمّيهم تكفيريين، الذين ردّوا له الصاع صاعين فنقلوا المعركة إلى عقر داره، فبرزت المخاوف الكثيرة والمحقة من “عرقنة” لبنان، أي أن تصبح التفجيرات المتنقلة، الانتحارية منها وبالسيارات المفخخة، الزاد اليومي للبنانيين يفيقون عليها ولا يدرون إن كانوا سيعودون إلى أسرّتهم بسببها.
غير أن حادثة الانتحاريّين اللذين حاولا اقتحام السفارة الإيرانية وعلى الرغم من أنها تعيد إلى الأذهان حادثة تفجير السفارتين الأميركية والفرنسية في بيروت في العام 1982، إلا أن الاستعانة بانتحاريين مؤشر خطير اقل ما يمكن القول فيه إنه “عرقنة” في الأسلوب، ولا خلاص لدفع “العرقنة” عن لبنان إلا بالعقلنة، أي الاحتكام إلى العقل.
لن يجدي تكرار الدعوة إلى “حزب الله” للانسحاب من سوريا، فغالب الظن أن هذه الدعوة قد استهلكت والكل يعرف وفي مقّدمهم قادة الحزب، أن قراراً استراتيجياً مثل هذا لا يؤخذ في الضاحية الجنوبية ولا حتى في دمشق، فالمكان الوحيد الذي يصدر منه هذا القرار إن لم نقل جميع القرارات المرتبطة بالحزب هو طهران. لكن الأوان لم يفت على تكرار الدعوة إلى المنطق والحوار والاحتكام إلى العقل، وهذا ما شدّد عليه الرئيس سعد الحريري في بيان الإدانة والتعزية بشهداء تفجير السفارة الإيرانية بالأمس.
الاحتكام إلى العقل يعني أن الانغماس في وحول سوريا يستجلب نارها إلى لبنان حكماً.
الاحتكام إلى العقل يعني أنه مهما تورّطت جهة بعينها في سوريا فلن تغيّر في موازين القوى التي تتحكّم بها لعبة الأمم.
الاحتكام إلى العقل يعني الاتعاظ من تجارب الآخرين وعدم الاستقواء عليهم وفرض الرأي بوهج السلاح.
الاحتكام إلى العقل يعني أن لا أحد قادر على حكم لبنان بمفرده وتجارب الآخرين في ذلك لا تزال ماثلة أمام أعين الجميع.
الاحتكام إلى العقل يعني التواضع والتنازل عن شروط يصح القول فيها إنها مستحيلة، متعالية ومفروضة من فوق، لتشكيل حكومة يكون مجّرد وجودها في السلطة بمثابة رادع للفلتان الأمني، وحافز لتعاون السلطات الأمنية في ما بينها لتعزيز قدراتها الاستخبارية وتجنيب اللبنانيين هاجس الأمن والاهتمام عوضاً عن ذلك بشؤونهم الحياتية ومعيشتهم.
الاحتكام إلى العقل، يعني عدم المجاهرة بالرأي دون الأخذ بالاعتبار مشاعر الآخرين، فلا يمكن تغيير وجه لبنان الطبيعي أو نظامه من دون مشاورة أو مشاركة باقي اللبنانيين بهذا القرار.
الاحتكام إلى العقل يعني العودة إلى الحوار، وهو ما لم يكف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والنائب جنبلاط وبالأمس رئيس مجلس النواب نبيه بري عن الدعوة إليه.
الاحتكام إلى العقل يعني احترام مقررات الحوار السابقة وتنفيذها وليس التنكّر لها.
الاحتكام إلى العقل هو دعوة الرئيس الحريري فلا قوة أكبر من قوة العقل.
إنها منحة من الله، فليحتكموا إليها.