#adsense

بين الكرامة والحياة

حجم الخط

لما كانت القيامة نتيجة لعلة حتمية هي الصليب، كان من الضروري الإضاءة على واحدة من القيم المتعددة التي يختزنها مفهوم الصلب. هذه القيمة هي الكرامة.

عندما زار يسوع الأرض ليفتدي الناس، زرع في قلوبهم مبادئ سامية أبرزها المحبة، وقد اعتبرت منذ ذاك التاريخ أسمى الفلسفات. لكن وجود المسيح لم يفسر من جانب القيمين على السلطة والدين آنذاك بأنه وجود هادئ، بل رأوا فيه صورتين: صورة الثائر الهادم الذي يهدد العروش والمصالح، لا سيما بعد التدفق الشعبي حوله. وصورة الناقض للمنتظر، فاليهود كانوا موعودين بقائد سماوي  يهودي يتقدمهم للسيطرة على الكون وليبسطوا نفوذهم الى الأبد.

لكن الآتي نسف الوعد والمعادلة، وطرح بدائل اغضبت الشعب المختار. فهل المحبة والعدالة  والرحمة والحرية والحق في الحياة، هي الثوابت التي كان المختارون المميزون ينتظرونها؟

وكان إجماع على أن الرجل خطير ويهدد الدولة والسلامة العامة والمعتقدات. ولا بد من اتخاذ قرار سريع في موضوعه. الخوف والإحباط كانا في أساس محاكمة هي الأسرع  في التاريخ، إذ صدر الحكم من دون مرافعة او دفاع: فليصلب. قالها الجميع.

ولكن بين الضحية والجلاد، هناك دائما وسطاء يسعون لعقد صفقة. ما تم عرضه على المسيح واضح وصريح: أنكر أنك ابن الله الحي الآتي لخلاص البشر، وأنك لست ملك اسرائيل المزعوم المزاحم على السلطة، فنتراجع عن الحكم وندعك تعيش.

هذا يعني أن المسيح كان أمام خيار: الحياة او الكرامة. ولما كانت رسالة يسوع هي الكرامة بذاتها، لم يتردد أبداً، فوقع تنفيذ موته بيده. اختار الكرامة والدفاع عنها بالثمن الأغلى، وكان الدرس الأول والأكثر أهمية في قائمة الدروس والعبر التي تستنتج من طروح المسيح.

منذ أكثر من ألفي سنة، والمسيحيون يواجهون الخيار نفسه والمصير نفسه. فهم امناء على مسيرة المسيح معلمهم، يستلهمونه في كل امورهم ولا سيما المصيرية منها. لقد عاشوا في الكهوف والمغاور ورؤوس الجبال لأنهم عشاق كرامة وحرية. وفي كل مرة وقفوا امام خيار بين الكرامة والحياة، لم يترددوا في تغليب الكرامة. وقد دفعوا في سبيلها آلافا مؤلفة من الشهداء وهم أثمن التضحيات، لكي تبقى كرامتهم مصانة.

إن بعض المسيحيين اليوم وعندنا بالذات، هو بحاجة الى من يذكره بأن المسيح هو الكرامة. لقد استباح هؤلاء هذه القيمة / الثابت في جوهر المعتقد المسيحي والوجود المسيحي تحت وطأة الخوف والمصلحة. وكان ان غلبوا الذل على الشرف، والاستمرار في الوجود على الكرامة. وطعنوا كل تضحيات الشهداء منذ الألف الأول المسيحي وحتى الساعة. يا هذا البعض، اذا كنت تنتمي حقا الى المسيح، عليك ان تثور على نفسك وتسترجع ما فقدته من كرامتك بحجة الحماية، فالصليب أقوى من الجلاد، والقبر الشريف أحب من طأطأة النفوس.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل