تتباين التفسيرات النقابية لتوزيع الاصوات التي حازها الفائزون في انتخابات العضوية، ولا سيما الرقم القياسي الذي حققه نقيب المحامين المنتخب في بيروت جورج جريج. وتعتبر انها لامست المناصفة بين الاحزاب والتيارات من جهة والمستقلين من جهة اخرى والذين يتعاطف قسم منهم مع النفَس السياسي. وبالنتيجة، بات للمحامين نقيب جديد كان على ثقة عشية الانتخابات بانه سيحصد كماً كبيراً من الاصوات، وانه سينطلق بـ 1500 صوت. وتحقق ما استقرأه. واكثر من ذلك يقول في حديث الى “النهار”: “في الاسبوع الاخير الذي سبق فتح صناديق الاقتراع، شعرت للمرة الاولى ان صورة النقيب يجب ان تتظهر، وانني اصبحت في المسؤولية ويجب ان احضر خطابي نقيبا. وقبل يومين من موعد الانتخاب كتبته بمسؤولية واستوحيته من تاريخ النقابة لانني مؤمن باستقلاليتها مثل ايماني باستقلال لبنان، مع مصادفة هذه المناسبة غدا (اليوم). وبعد اعلان فوزي بدأت كلمتي بـ”حضرة النقيب (السابق نهاد جبر) ثم فخامة الرئيس (امين الجميل) المحامي”.
وهل ايمانه باستقلالية النقابة ينسحب على استقلالية المحامي؟ يقول: “لا. فثمة فرق شاسع بين الاستقلالية والمحامي المستقل، لانني اعتبر ان المحامي المتقدم في مجتمعه لا يمكن ان يكون على الهامش من دون رأي ولا طعم ولا قرار”. ويدرج ذلك “في اطار حرية الرأي وحرية المعتقد”.
وحين يُسأل جريج، الذي يختار في قراءاته رجال تاريخ لبنانيين وغير لبنانيين، ماذا لو اصبح المحامي صاحب الموقف السياسي نقيبا للمحامين؟ يجيب: “سبق ان وصل الى سدة المسؤولية في النقابة اكثر من نقيب ينتمون جميعاً الى احزاب سياسية لبنانية عريقة، وكانوا مُجلّين، لكون ما يجمع عليه المحامون وتحديدا من يترشحون ويتولون مسؤوليات في النقابة، هو عدم ادخال انتماءاتهم السياسية اليها، بل يخلعون رداء السياسة على باب النقابة ويدخلون برداء المحاماة وبخبراتهم. ومعظم من تبوأوا سدة المسؤولية كانوا يمرون في كل مرة بعضوية مجلس النقابة حيث يختبرون انفسهم هناك”.
وهل يعتبر نفسه نقيبا شعبيا؟ يقول: “اعتبر نفسي نقيبا للمحامين. اما كلمة شعبي، فاذا كان المعنى المراد منها انني قريب من كل المحامين فاني اوافقك الرأي. واذا كان المقصود بالكلمة التواضع، فقد ختمت كلمتي اثر اعلان النتائج، إذ قلت: كلمة اخيرة اتوجه بها الى نفسي واليكم زميلاتي وزملائي، كونوا متواضعين”.
وفي مفهومه ان “التواضع يكسب احترام النفس والاحترام من الغير”. ويعتبر ان “هيبة المحامي هي من هيبة احترام القوانين وتطبيقها، وتسقط كل هيبة بخلاف ذلك. فعدة المحامي ومرجعه الكتاب، وتهمل النقابة تحت هذا السقف الذي هو سقف القانون. وندعم استقلال السلطة القضائية ومؤسسات الدولة لكونها الركيزة الاساسية للوطن والمواطن على السواء. والنقابة لديها النية لإبعاد الشوائب عنها وتنقية ذاتها. وهذا كله يصب في خانة هيبة المحامي، وبالتالي هيبة مؤسسات الدولة”.
والأحب الى النقيب الجديد في قراءاته باقة “غاندي” وحكمته عن “المثابرة والايمان”. ويفسر جريج انتصاره بأن “مَن يزرع قمحا يحصد قمحا. والمحامون صادقون الى ابعد الحدود مع من يعتبرونه يشبههم ليمثلهم. أعرف وجعهم واعيشه معهم في قصور العدل وأشعر بمشاكلهم اليومية في المحاكم وبمشاكلهم الحياتية. فعندما تكلمت في برنامجي عن شبكة امان صحية ومالية وتقاعدية للمحامين لامست هذه المشاكل”.
واول خطوة سيقوم بها في هذا الاطار”عقد خلوة لمجلس النقابة لاقرار خريطة طريق واضحة، تتناول اضافة الى ذلك، نظام آداب المهنة ومناقب المحامين التي هي المدخل الاساسي لكل محام لاكتسابه ثقة الآخرين واحترامهم. أما على مستوى العلاقة مع القضاء، فأراها كميزان العدل، لا تستقيم الا بالتوازن، ولا يقتحم أحدنا الآخر. فلنذهب الى علاقة جدية وندية من خلال انشاء مرصد قضائي من اعضاء مجلسي الاعلى للقضاء والنقابة، يواكب هذه العلاقة بين الجسمين. كما ستطرح في الخلوة علاقة المحامي مع الادارات الرسمية، اذ لا يمكن المحامي ان يمثل موكله امام سلطة او مرجع معيّن من دون تمكّنه من تمثيله امام جهاز او ادارة اخرى”.
ذكر النائب نوار الساحلي لموقع “النهار” الالكتروني يوم الانتخاب ان ميزة انتخابات النقابة ان الفائز سيكون لكل المحامين. يعلق جريج: “صحيح انها ثقافة المحامين المشتركة. وهنأني بخطابي الجامع”.
ووطنياً، يؤكد ان للنقابة “دورا كبيرا له علاقة بالحريات العامة ودعم مؤسسات الدولة التي تنهار. ولا يمكن النقابة ان تقف امام تعطيل المؤسسات وانهيارها وشلل السلطة القضائية. فلا تشكيلات الى اليوم، ولا حكومة ولا انعقاد لمجلس النواب، مما ينعكس سلبا على الوضع الامني. من هنا دور النقابة وسلاحها، وهو الكلمة والموقف، وسنستعملهما الى ابعد حد لان الوطن في خطر”. الا انه غير متخوف على مستقبل لبنان “لايماني المطلق به رغم كل المآسي التي نشهدها. وأؤمن بشعبه كثيرا. ومبعث هذا الايمان هو القلب، لذا علينا حل مشاكلنا وعدم اقحام انفسنا بمشاكل غيرنا”.