على عكس ما كتب سابقا ويكتب حاليا ويتم تداوله وكأنه حقيقة قائمة، وخلاصته ان اللبنانيين نالوا استقلالا سهلا، ولم يدفعوا ثمنه كما يفترض ان يدفع ثمن الاستقلال، وان هناك لبنانيين ناضلوا في سبيل الاستقلال، ولبنانيين كانوا يتمنّون استمرار الانتداب، لأن الحقيقة الكاملة التي سجلها التاريخ والوقائع تؤكد ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة ناضلوا سياسيا وشعبيا وقياديا متكافلين متضامنين في دفع فريضة الدم والسجن والاعتقال والاستشهاد، وجعلوا الارض تهتزّ تحت اقدام الانتداب الذي اجبر على التسليم بحق قيام دولة لبنانية ذات سيادة على كامل الارض اللبنانية، ومن هذا الاستقلال الناجز انبثق الدستور اللبناني وصيغة العيش المشترك التي صاغها رجلا الاستقلال، المسيحي الشيخ بشاره الخوري والمسلم رياض الصلح. واذا كان الدستور اصبح اليوم وجهة نظر، والصيغة مهزوزة ومتعثرة، والاستقلال، صورة ومع وقف التنفيذ، فالمسؤولية تقع على من جرّد الاستقلال من معانيه الحقيقية في خلال العقود الثلاثة الماضية، وليس رجالات الاستقلال.
الاستقلال في مفاهيمه الوطنية، يعني السيادة، وهي اليوم منقوصة، ويعني وحدة الشعب، وهي مهزوزة، ويعني وحدة السلاح وهي غير موجودة، ويعني وحدة الارض وهي مهددة، ويعني وحدة الانتماء، وهي معدومة، ويعني وحدة المؤسسات وهي غائبة، ويعني وحدة الحكم وهي صورة تذكارية، ويعني، وهذا الاهم، وحدة القرار الوطني وهي مصادرة.
رجالات الاستقلال اعطونا دولة كاملة الاوصاف والمفاهيم، ووطنا ننتمي اليه ونفتخر به، ولو ان اللبنانيين منذ السبعينات وحتى اليوم حافظوا على انتمائهم الى لبنان، بدلا من استسهال الانتماء الى دول وانظمة خارجية، لمكان لبنان اليوم، والاستقلال والدولة والسيادة والصيغة بألف خير، وكنا بمنأى عن المجازر التي ارتكبت وترتكب في حق الابرياء، وكان جيش الاستقلال القوي بوحدة ابنائه والقوى الامنية الاخرى، هي السياج الحامي من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال، وليست مضطرة الى الاستنزاف والغرق في نزاعات الداخل المسلحة.
***
في الذكرى الـ 70 لاستقلاله السليب، ينازع لبنان وهو يكافح في سبيل استرداده واسترداد سيادته معه، ولكن معركته، على ما يبدو حتى الآن، خاسرة، لان المنحى الذي تسلكه الاحداث وسياسات البعض، سيوصل الى الادهى والى استحالة الخلاص، ومن يتابع منذ مدة وسائل التواصل الاجتماعي وما يتسرّب من نبض الشارع، والكلام في المناسبات الاجتماعية والسياسية، وخصوصاً في المناطق ذات الاكثرية المسيحية والدرزية، يلمس ان هناك غلياناً كبيراً ودعوات علنية. وضغوطات شديدة على القيادات، ناتجة عن شعور ابناء هذه المناطق بالخوف والقلق والعجز عن مواجهة ما يتهددهم من اخطار، وتشتد عندهم الرغبة بالتسلح، مع كل تفجير يحصل او تهديد يطالهم، او مظهر مسلّح له طابع التحدّي ضمن احيائهم وشوارعهم، حتى ان القيادات السنيّة المعتدلة لا تعرف كيف تتعامل مع مطالبات انصارها بالتسلّح، والمؤسف ان تشديد القيادات ورؤساء الاحزاب ورجال الدين في هذه المناطق، على ان الامن والحماية هما من مهمة الجيش والقوى الامنية وواجبهما، لم يعد يلقى تجاوباً كبيراً لدى الناس، قياساً على ما حصل سابقاً، وما يحصل حالياً من تلكؤ في التدخل للحماية وفرض الامن ومنع الاستفزاز، حتى ان نواباً وقيادات ومسؤولين اعلنوا بوضوح وعلناً، انهم لن يقفوا مكتوفي الايدي وستكون لهم مواقف وخطوات اخرى في الوقت المناسب.
هذه الاجواء والحالات موجودة، ويفترض ان تكون معلومة من الدولة ومن غير الدولة، وهي ان لم تعالج بعلاج وحيد لا غير، يقضي بانضواء الجميع تحت سقف الدولة ومؤسساتها، وخصوصاً الامنية منها، فان لبنان واستقلاله وسيادته ووحدته وصيغة عيشه ودولته المركزية الى زوال، لان الحرب اذا نشبت هذه المرة لن يبقى شيء فيه يشبه لبنان استقلال 1943