كل عام وذكرى استقلال لبنان تمر بغصة ولوعة… كل عام واللبنانيون يتساءلون عن استقلال وطنهم في ظل تتالي الهزاة والعواصف العاتية في الداخل والمحيط الاقليمي… بالامس كان الكيان اللبناني مهدداً بتداعيات نكبة فلسطين الكبرى عام 1948 ، فتحول هذا الوطن الصغير الى ورقة تفاوض على حساب استقلاله وسيادته لا بل وجوده… واليوم لا يزال هذا الوطن الصغير العوبة تتقاذفها المصالح الاقليمية والدولية على حساب استقلاله وسيادته… لكن بين الامس واليوم قاسم مشترك لا يبدو ان بعض اللبنانيون يعونه او يفهمومنه…
فبالامس كان الفلسطيني هو عامل زعزعة استقرار واستقلال هذا الوطن عندما ادخل لبنان اتون المحاور والصراعات الاقليمية والدولية فكان ينظر الى لبنان ارضا خصبة لتفجير او لتظهير هذه الصراعات ولو على حساب استقلاله وسيادته…
اما اليوم فهناك فريق من اللبنانيين ممثلاً في طليعتهم بـ”حزب الله” وحلفائه الذين على ما يبدو قرروا استكمال نهج جر لبنان الى اتون الصراعات الاقليمية والدولية من خلال الاطاحة بسيادته واستقلاله وجعل ارضه وشعبه مستباحين في خدمة مصالح الخارج… بالامس كان هناك شعب مهجر من بلده سقطت في فكره قدسية حدود دول وسيادات الاخرين بسقوط دولته فاستباح كل شيء في سبيل كفاحه لاستعادة ارضه ودولته متخطيا حرمة حدود وسيادة الدول المجاورة وفي طليعتها لبنان حيث اتخذ من هذا البلد قاعدة انطلاق لعملياته العسكرية ضد اسرائيل فدفع لبنان واللبنانيون في نهاية المطاف فاتورة تلك الاستباحة…
واليوم هناك “حزب الله” – فصيل لبناني من داخل التركيبة اللبنانية – يصادر طائفة لبنانية كريمة ومكون اساسي من مكونات الفسيفساء اللبنانية – قرر تخطي حدود السيادة والاستقلال اللبنانيين – ليتخذ من وطنه قاعدة انطلاق الصراعات العسكري والسياسية والاستراتيجية في المنطقة – غير ابه بصيغته ولا بكيانه ولا بوحدته وانصهاره الداخلي… اذا كان ظلم ذوي القربى اشد مضاضة… فان فجور الشريك في الوطن أشد فتكا وتدميرا…
كيف يكون للبنان استقلاله والعقول والنفوس غير مستقلة؟ فالاستقلال حالة نفسية وقناعة ذاتية قبل ان يكون حفلا او مناسبة… فاين هذا البعض من اقتناعه بأن للبنان كيانه الذاتي الذي يحتم على ابنائه ان ينظروا اليه بمعزل عن تبعية لشرق او لغرب؟ الاستقلال فعل ايمان اين “حزب الله” منه اليوم وهو الذي يمعن في ربط لبنان بازمات المنطقة وصراعاتها بعدما تمكن اللبنانيون عام 2005 من فصل ارتباط لبنان بمحاور الاخرين… هل نسي “حزب الله” كم عانى لبنان من ارتباط ازمته بازمة الشرق الاوسط على مر 25 سنة حرب اهلية ؟
هل نسي “حزب الله” كم عانى لبنان واللبنانيون من ربط المسارين والمصيرين بين لبنان وسوريا طوال سنوات ما بعد الطائف؟ كيف يكون لنا استقلال عندما يطالعنا في كل مرحلة مفصلية من تاريخ هذا الوطن – فريق لبناني يرتضي لنفسه الارتباط بالخارج الى حد التبعية العمياء المطلقة – فمن الناصريين الى القوميين العرب الى البعثيين الى القوميين السوريين الى مؤيدي ومعارضي حلف بغداد وصولاً الى التبعية لمحور يسمي نفسه محور ممانعة… محطات برز عند كل واحدة منها انفصال لبنانيين عن لبنانيتهم وطلاقهم عن وطنهم ومصالحه العليا…
اي استقلال يرتجى ولبنان يستبيحه بعض اهله مسرحا طيعا لـ”دعارة” سياسية تتخطى حدود المنطق والمقبول والمباح بتخطيها حدود الاجماع الوطني والوحدة الوطنية والسيادة والسلم الاهلي؟ لا تستقل الاوطان الا باستقلال ابنائها عن تبعيتهم لسواها… ولا سيادة لوطن تحفظ الا اذا كان ابناؤه سياديي والفكر والولاء والانتماء…
