
“هيك بدو بشار”، عبارة اختصرت بها زينب م، روايتها عن رحلة مضنية حملت خلالها رضيعها مسافات طويلة عبر الجرود، هربا من حرب النظام البعثي على مدن وقرى القلمون السورية الى عرسال.
هي رحلة، قادت الالاف من ابناء مدينتها قارة عبر مسالك جبلية وعرة، محفوفة بمخاطر الغارات الجوية التي استهدفتهم “بهدف الابادة الجماعية، أو الموت من البرد القارس والجوع”، على ما ذكرت.
“عيشة مرة”، قالت لنا، نحن الذين شعرنا بدخول البرد الى عظامنا،منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدامنا، أرض مخيم النازحين السوريين في عرسال، المدينة التي تتربع وسط واد محاط بقمم جبال لبنان الشرقية، المتداخلة مع قرى القلمون السورية، جغرافيا وديموغرافيا.
من قارة الى عرسال
“ما بعرف اذا منرجع”، تابعت، وهي تحدق بالتلال الفاصلة ما بين موقع المخيم ومدن القلمون، دون ان يصرفها ذلك عن اسداء نصيحة لاطفال تجمهروا حولنا كي يدلفوا الى خيمة قماش غلفت بقطع من النايلون اتقاء للمطر والبرد، كانت نصبت لهم على عجل. “اصلا جيش النظام استباح بيوتنا منذ دخوله قارة تحت وابل من القصف الجوي والبري.كدنا نقتل غير مرة بقنابله المتفجرة، واحدة منها أصابت سقف منزلنا المؤلف من طابقين، نجوت مع صغيري باعجوبة. انها لحظات لا تنسى، لحظات دامية اختلط فيها دوي القصف مع صيحات الاستغاثة من كل صوب، جنون القاتل لم يتوقف لحظة في تلك الليلة، ليلة اقتحام قارة، هربت مع رضيعي من المنزل المدمر الى زاوية تحت درج قريب، احتمينا قليلا الى حين وصول بعض الاقارب، الذين عملوا الى اخراجنا من الحي باتجاه الجرد، هناك كانت محطتنا الاولى في مسيرة ستستغرق ست ساعات في صندوق شاحنة على ما قالوا لنا. لكن، الرحلة، استغرقت يومين، فسائق الشاحنة اضطر مرات عدة للتوقف، قبل ان يأمرنا بالترجل في واد مجاور لمعرة النعمان، ومن هناك تولى بعض الشباب مساعدتنا على قطع مسافة عشرين كيلومترا سيرا على الاقدام،كنا خلالها نتوقف للراحة أو لإطعام اطفال كثر فروا معنا، أو للاختباء من القصف المدفعي الذي رافقنا طيلة ساعات الرحلة”.
“شفنا الموت مية مرة”، أكملت زينب بعد صيحة آخ طويلة، “أي والله، شي مية مرة، يا حسرتي على هالاولاد كل الوقت زعيق وبكاء وتبويل من شدة الخوف ودوي الانفجارات واصوات الطائرات الحربية”، المهم، تابعت، “أوصلنا الشباب الى طريق ترابي، حيث كان بانتظارنا شاحنة صغيرة أقلتنا الى عرسال عبر ممرات شديدة الوعورة، ومثلنا فعل المئات لا بل الالاف، بعضهم استشهد على الطريق جراء غارات جوية، او نتيجة القصف المدفعي، المهم، اننا بلغنا عرسال،التي سارع اهلها الى تقديم الغذاء والمستلزمات الضرورية لاطفالي وتأمين منامة الليلة الاولى في احدى القاعات العامة، ليطلع علينا الصباح الاول حاملا الكثير من الاسئلة، وماذا بعد؟”.
تتنهد زينب قائلة : “الآن، وبعدما دفعنا اجتياح أبن حافظ.. الى المبيت في خيمة قماش على ارتفاع الفي متر، وفرض على اطفالي الصغار بمن فيهم الرضيع جلال، حياة قهر وعوز، حياة لا تستوفي الحد الادنى من الشروط الصحية أو الغذائية، مزنرة بالخوف من امتداد مجازره الى داحل مخيمات النزوح، الآن، أتمنى الموت لي ولطفلي على العيش في ظل حكم هذا المجرم الجزار، صدق.. هذا ما اتمناه”، ختمت، وهي تنظر بعينين دامعتين الى رضيعها جلال.
ابو خليل الزبداني
صادما، كان وقع خاتمة زينب م، صادما وقاسيا جدا. سألت رفيقي، أيعقل؟ أم تفضل موتها واطفالها على العيش؟!.
أجابني: “نعم، فآلاف النازحين الى عرسال وغيرها يتقاطعون حول هذا الموقف من النظام واستحالة العيش أو التعايش معه”.
ولكن، ماذا عن مستقبل القلمون، هل سترجع زينب الى منزلها بما يتناسب واحلامها، أم ان رحلة تشردها طويلة ؟ وهل فعلا، ان النظام مدعوما من النظام الايراني وحزب الله، قادر على اسقاط القلمون، ام ان هناك رأيا آخر؟”.
وأسئلة أخرى اشتعلت في رأسنا قبيل لقائنا ابو خليل الزبداني، القيادي والناشط على خط التواصل بين ارض المعركة وتجمعات النزوح في عرسال. مظهره الخارجي، يوحي بأنه لم يذق طعم النوم منذ ايام، هكذا أوحت عيناه من شدة احمرارهما، وكذا حال قميصة الملطخة بوحول قديمة وأخرى حديثة تدلت فوق بنطال غطى هو الاخر ساق بسطار يحمل ثقوبا كثيرة تعكس واقع الحال.
“لست متفائلا بما ينتظر القلمون”، قال وهو ينفض رماد سيجارته بحركات عصبية متتالية تنم عن حال يائس مما آلت اليه الاوضاع الميدانية.
لماذا؟ سألته بعدما استوينا على مقاعد بلاستيكية في خيمة انتظار واسعة اقامتها مفوضية اللاجئين التابعة للامم المتحدة،أجاب: “أمامكم صورة – واشار بيديه الى صدره – تعكس حقيقة امكاناتنا في مواجهة آلة القتل الاسدية المعززة بجسور جوية وبرية تمتد من روسيا الى ايران وصولا الى حزب الله، بربكم، كيف لمثل تجهيزاتنا العسكرية المتواضعة جدا مواجهة الطائرات الحربية والمروحية الحديثة وصواريخ السكود والقذائف المحرمة دوليا؟. لذلك، كان القرار بالانسحاب من قارة، هو القرار الاسلم الذي جنب المدينة المجازر والدمار، فقيادة الاركان في الجيش الحر، عبرت عن الواقع قبيل الاطباق على قارة، عندما اعلنت اتباع تكتيك حرب العصابات في القلمون بشكل عام، وقارة بشكل خاص، استنادا الى انعدام توازن القوى الذي اشرت اليه، وافتقار المقاتلين الى اسلحة ثقيلة وصواريخ مضادة للطائرات تمكنهم من احداث توازن ناري على الاقل، مع الاخذ بالاعتبار عاملا ايجابيا لمصلحة الثوار، يكمن في طبيعة المنطقة ووعورتها التي توفر حركة سهلة للمقاتلين لا تتوفر للجيش النظامي.، لكن النظام الذي نجح في التمهيد لمعركة القلمون بحملة اعلامية واسعة، صوب على مدينة قارة، مستفيدا من تفوقه الجوي والصاروخي ومن بعض اختراقات أمنية في صفوف بعض ضعاف النفوس، فنفذ عمليات قصف جوي وبري على بعض أحياء قارة، رغم معرفته بانسحاب المقاتلين وفرار آلاف المواطنين، وذلك، لتظهير سقوط قارة إعلاميا، واستثماره سياسيا على المستويين السوري واللبناني، ودوليا كخطوة اولى يليها خطوات على طريق التحضير لمؤتمر جنيف-2”.
يتابع ابو خليل :”الذي يراجع نتائج تسليم قارة، لجهة الخسائر البشرية، يجد انها لا تذكر قياسا بحجم وطبيعة المواجهات على الجبهات سابقا وراهنا، اذ انحصرت نتائجها بدمار بعض الوحدات السكنية، لكن التهجير، بلغ سقفا غير مسبوق، وهذا له علاقة بطبيعة السيناريو الذي حكم بداية مرحلتي التحضير والهجوم على قارة من قبل قوات النظام، فهو، يريد ارباك الثوار بانتاج دفق كبير من النازحين، ويريد ايضا، اشغال وانهاك اهالي عرسال من خلال توسعة دائرة وعدد النازحين اليها”، معربا عن الخشية من تكرار مشهد قارة في المدن الرئيسية في القلمون، فنحن شعرنا منذ سقوط القصير، بان العالم كله تخلى عنا، وهذه مشكلة كبيرة لا يمكن معالجتها سوى بتوفير السلاح النوعي للثوار والا فان الكارثة محدقة، وعليه، فلتذهب الاغطية والخيم والمواقف الكلامية الى مزبلة التاريخ، وتسألني، لمَ كل هذا التشائم؟”.
المنصور
هي صورة سوداوية رسمها ابو خليل، صورة تعطي مشروعية زائدة لتساؤلات زينب التي تشكك بامكانية العودة الى ديارها، ولكن، هل فعلا سينسحب سيناريو المواجهة من طرف واحد في قارة على باقي مدن وقرى القلمون على ما نقل ابو خليل كقائد ميداني ومشارك في تنفيذ خروج المقاتلين والنازحين من المدينة؟.
“أشك في ذلك”قال المنصور،الذي اعطى صورة مختلفة تماما عن مشهد المواجهات بعد قارة، استنادا الى دوره في متابعة الوضع الميداني في النبك ودير عطية ومعرة النعمان ويبرود والزبداني وغيرها.
أضاف :”حك ركاب النظام في النبك وعلى طول الطريق السريع الذي يربط المنطقة بحمص والعاصمة، هناك تدور الان معارك ضارية فرض خلالها الثوار واقعا مختلفا على الارض، خاصة في دير عطية وبعض بلدات النبك، كما ان الطريق السريع ما زال في قبضة الثوار، ومن الصعب على النظام رغم تفوقه الجوي والصاروخي الامساك بهذا المفصل الاستراتيجي، فما حصل في القصير، لن يتكرر هنا، وما حصل ايضا في قارة، كان له حسابات مختلفة،فنحن نمتلك القدرة على مواجهة النظام من خلال شن حرب عصابات طويلة، والدخول في مواجهات مباشرة كالتي تجرى الان في النبك، فهذا النظام الساقط، لا يستطيع تغطية المنطقة بسبب النقص الفادح في عديد ما تبقى من جنوده، بمعنى، انه عاجز عن تغطية محاور القتال دفعة واحدة، وعاجز ايضا عن فتح جبهات جديدة، الا ان هذا لا يعفي المتعاطفين مع الثورة من امدادنا فعلا باسلحة نوعية، فنحن اليوم، نقاتل بالاسلحة والذخائر التي نغنمها من النظام”.
ولكن، كيف تقول بعجز النظام عن حشد قواته في حين انه يحاصر معظم قرى القلمون؟ ويتحدث يوميا عن تحقيق تقدم هنا وهناك؟
“الاتي من الايام يجيب عن سؤالك”، قال المنصور، “فالنظام حشد قواته المعززة بمرتزقة ايرانيين واخرين من “حزب الله” قرب الخط السريع بين قارة والنبك، اما باقي المدن والقرى القلمونية فهي بمنأى عن اقدامه، انه يسيطر عليها بالنار عبر غارات جوية او قصف مدفعي وصاروخي بعيد المدى، وهذا الامر لن يبقى الى ما شاء الله، وستثبت الايام المقبلة قدرتنا على التحكم بكثير من مفاصل المعركة، خاصة على طول الطريق بين حمص ودمشق، فالعجز واضح ليس عند النظام فحسب، بل حتى عند حزب الله الذي لم يعد بمقدوره ضخ مزيد من المقاتلين الى سوريا، خاصة الى القلمون، لقد استهلك اقصى طاقته، وهو الاخر اعجز من ان يغطي المساحات التي تدور فيها المواجهات في القلمون او في الغوطتين وحلب وغيرها، لذلك، اسندت له مؤخرا مهمة رصد الممرات الجبلية من جهة لبنان اضافة الى نصب كمائن بين قرى ومزارع القلمون الجردية، وبالتالي، نحن ننتظره، لا بل نطلب منه ضخ المزيد من عناصره المضللين،نحن بانتظارهم”.
سمر:سوء التنسيق
رسم المنصور صورة مغايرة تماما لتلك التي ظهرها ابو خليل الزبداني، وهي ان دلت على شيء فانها تدل على تباين شاسع بين وجهتي نظر تعكس سوء التنسيق الميداني بين قوى الثورة في منطقة القلمون وتعددية القوى المتفلتة من الحد الادني من شروط التنسيق.
سمر، الجامعية النازحة الى عرسال من النبك،تشير الى ان “اشكالية التنسيق لا تقتصر على الواقع الميداني،بل تعدته وللاسف الى اوساط النازحين هنا، فالقتل والتهجير ليسا الثمن الاوحد الذي فرضه نظام البعث، اذ برزت في الاونة الاخيرة محاولات حثيثة للنظام واعوانه تهدف الى نقل التباين على الارض الى صفوف النازحين من ناحية، وبين هؤلاء بانقساماتهم غير الظاهرة بقوة اليوم وبين والمجتمع المحلي المضيف من ناحية ثانية”، اذا، تتابع سمر : “نحن امام معادلة خطرة جدا اذا لم يتم تداركها والسيطرة عليها لافشال مخطط النظام واعوانه،فان ما ينتظرنا سيؤدي الى نتائج كارثية على الصعد كافة”.
الحجيري
مخاوف سمر، لا تجدها في اوساط العراسلة، فرئيس بلديتها علي الحجيري أكد لنا ان “عرسال لن تتوقف عن دعمها للشعب السوري في ثورته ضد النظام، وهي تقوم بواجبها الانساني لجهة استقبال النازحين وتوفير المستلزمات الضرورية لهم بالتعاون مع الهيئات الانسانية المحلية والعربية والدولية، وما يحكى عن تناقضات هنا وهناك، لا يخرج عن كونه جزءا من مخططات النظام واعوانه الذين حاولوا ولا يزالون الصاق تهمة الارهاب بالعراسلة وضيوفهم، فنحن وكل مكونات النزوح متنبهين لهذا الامر، ونعمل وسعنا لاتمام رسالتنا الانسانية والتضامنية”.
فالهم الذي يشغلنا اليوم تابع الحجيري “هو كيفية اكمال التجهيزات لاستيعاب اكثر من 70 الف نازح سوري، وفي موازاة ذلك، كيفية الخروج من الحصار الارهابي الذي يفرضه النظام بالحديد والنار من خلال الغارات الجوية التي ينفذها على المدينة واحيائها، فضلا عن عمليات القصف المدفعي بين الحين والاخر،الامر الذي ينبئ، اذا ما تطور الوضع الميداني في القلمون وتصاعدت وتيرة المواجهات، ان يلجأ النظام السوري الى الاقتصاص من عرسال ومن النازحين على السواء،فمعطياتنا تقول بأنه عاجز عن ضخ المزيد من القوات الى جبال القلمون، وان حربه على هذه المنطقة مكتوب لها الفشل،لذلك نرى مقدمات جنونه، تكثيفا لطلعات طائراته الحربية فوق عرسال”.
“نعم نحن محاصرون”، يواصل رئيس البلدية،”فالنظام السوري لم يكتف بشن عشرات الاعتداءات بسلاح المدفعية والطائرات المروحية على جرود واحياء عرسال، ولم يشف غليله سقوط العشرات شهداء وجرحى من اهلنا ومن النازحين السوريين على السواء، فادخل منذ ايام طائرات الميغ الى الخدمة، إمعانا في الانتقام من عرسال ودورها الانساني الحاضن للاطفال والعجز الهاربين من مجازره. لقد شهدنا خلال الايام الخمسة الماضية سلسلة غارات جوية استهدفت الجرود والبساتين وصولا الى بعض الاحياء البعيدة اقتصرت نتائجها على الاضرار المادية، لكن دخول سلاح الجو بهذه الكثافة، تابع الحجيري، فهم على انه رسالة تقول بان النظام على استعداد لايقاع خسائر بشرية اكثر دموية، وثانيا، يكشف عن نيته توسعة رقعة استهدافاته في المدينة وجوارها، فطائرات الميغ لا تغيب عن اجواء المدينة ومرتفعاتها، وفي حالات كثيرة يعمد الى شن غارات وهمية، وهذا الجو الارهابي، تنامى منذ اعلان سيطرته الاعلامية على بلدة قارة السورية”.
امام المستجد الميداني، وبعدما اشاد الحجيري برئيس الجمهورية ميشال سليمان وجهوده الكبيرة في سبيل المحافظة على المؤسسات وتغليب لغة الحوار،ناشده “بذل المزيد من أجل حماية عرسال خاصة في هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها، سواء بالنسبة للاعتداءات اليومية التي تستهدفها، او بالنسبة لملف استيعاب النازحين وحمايتهم ايضا”.
وفي مجال متصل، شدد على دور الجيش في حماية العراسلة والنازحين، “فنحن لا نريد سوى الجيش، فسلاح الشرعية هو السلاح الوحيد الذي نثق به وبدوره في رفع الاذى عن مدينتنا المحاصره بآلة القتل الاسدية”.
“المستقبل”
يتقاطع موقف منسق تيار “المستقبل” في عرسال بكر الحجيري مع مخاوف وهواجس رئيس البلدية، ويذكر بغارة جوية نفذتها طائرات الميغ الاسدية امس الاول على منطقة (عقرة المبيضة) في اطراف عرسال والقريبة ايضا من احد حواجز الجيش اللبناني، وثانية في خربة حميد، ويلفت الى “استباحة سلاح الجو الاسدي لاجواء عرسال والبقاع الشمالي من دون اي وازع، فالحديث عن مرحلة جديدة في مستوى ونوعية اعتداءات النظام البعثي على العراسلة، كلام صحيح، نشعر به ونعيشه لحظة بلحظة، لا بل اننا نتوقع المزيد في ظل احتدام المواجهات في القلمون السورية، وما يعزز هذا الاحتمال، وجود قوى واطراف حزبية لبنانية متحالفة مع النظام الاسدي، تصلي لاستباحة عرسال واهلها، حتى ان احدهم ردد من دون اي وازع اخلاقي عبارة “باي باي عرسال”. مساكين هؤلاء، تابع الحجيري،”فالعراسلة اتخذوا موقفهم الداعم للثورة السورية عن قناعة، وحصروا هذا الدور باستضافة النازحين ومساعدتهم واسعاف الجرحى، ولن تحد من عزيمتهم تهديدات واتهامات مغرضة ومفبركة،وسنبقى نقوم بدورنا الانساني، خاصة واننا نعتبر ان عرسال ليست متضامنة مع النازحين السوريين فقط، بل نحن خط الدفاع العربي الاول في وجه الديكتاتور الاسدي واسياده”.
حقد على عرسال
وهل تنحصر مخاوف العراسلة بالقصف الجوي والبري،أم ان هناك خشية حقيقية من اجتياح اسدي بذريعة ملاحقة مقاتلين سوريين يتوقع انتقالهم من القلمون الى عرسال والبقاع على ما يشاع؟.
يجيب رئيس البلدية :”انهم لا يستطيعون ذلك لأسباب كثيرة، ابرزها حاجة النظام واعوانه الى اعداد كبيرة جدا لتغطية منطقة القلمون، فاستخدام النظام البعثي لسلاحي الطيران الحربي والصاروخي دليل عجزه على الارض، وللتذكير فقط، فان نظام الاسد انسحب طوعا من مدن وقرى القلمون في بداية الازمة السورية لسد النقص الكبير الذي أصاب عديده بفعل انتفاضات الضباط والجنود، وهو اليوم يعيش المشكلة ذاتها ان لم يكن أكثر، انه عاجز تماما عن القيام باجتياح، من هنا، نستبعد حصول مثل هذا الاحتمال،رغم اقتراب معركة النبك، حيث نتوقع بحسب متابعين، ان تكون معركة شرسة جدا، ومن تداعياتها المتوقعة تدفق نازحين جدد الى عرسال”.
ويتفق معه منسق تيار “المستقبل” في المدينة الذي استبعد اقدام النظام المتهاوي اصلا على اجتياح عرسال. اضاف: “الا ان ذلك لا يمنعنا من التنبيه من اقدام النظام السوري على القيام بعمليات تخريبية في موازاة الاعتداءات الجوية، وهو النظام سبق ونفذ اعتداءات داخل اراضينا بواسطة فرق كوماندوس تابعة لوحداته الخاصة، وبالتالي ان النظام الذي استخدم الكيماوي والسكود ضد الشعب السوري الاعزل، لن يتورع عن القيام بأي مغامرة، خاصة وان منسوب حقده على عرسال غير عادي.لذلك، سنبقى نطالب ونرفع الصوت عاليا،مناشدين الدولة والجيش بذل المزيد من اجل حماية المواطنين من الاعتداءات الجارية والمتوقعة”.
مدن في مدينة
رغم المخاوف المشروعة من تنامي اعتداءات النظام وحلفائه، ورغم حال الشد التي فرضها الغطاء الجوي الاسدي، ورغم الحصار الاقتصادي الذي ضرب مصالح العراسلة في مصدر رزقهم الاساس من صناعة الحجر المشهور باسم مدينتهم، والثاني المتأتي من الزراعة والرعي، فان كل تلك الاسباب على خطورتها، لم تنجح في ثنيهم عن استيعاب ما يقارب سبعين الف نازح سوري من بينهم 30 الفا غادروا مدن وقرى القلمون، قارة، رنكوس، النبك، يبرود، عسال الورد، الزبداني، دير عطية، الجريمية، فليطا، السحل، القسطل، حسبه، الوروار وغيرها.
وتكفي جولة في احياء المدينة، وعلى اطرافها،لاعطاء صورة عن مشهدية تشكلت قهرا بفعل النظام البعثي، اذ تتوزع آلاف العائلات السورية في احياء المدينة، وفي عشرات المخيمات الصغيرة والكبيرة التي انشئ بعضها مع اندلاع الازمة السورية، واستحدث بعضها الاخر في الاونة الاخيرة، فيما يتواصل العمل لاستكمال اكثر من مخيم لاستيعاب النازحين الجدد.
“مدن في مدينة”، قال الناشط العرسالي محمد الفليطي، “فالعراسلة فتحوا منازلهم لاهلنا السوريين الهاربين من جحيم النظام الاسدي منذ البداية. لم نأخذ خيار انشاء مخيمات اطلاقا، لقد اسكناهم في بيوتنا، وتقاسمنا معهم رغيف الخبز، ونار الموقدة، وتحملنا معهم كل جرائم النظام، الى ان بدأت الاعداد بالارتفاع، ما اضطرنا بالتنسيق مع البلدية والمنظمات الدولية الى الشروع بانشاء مخيمات صغيرة للاعداد الوافدة، لان الوحدات السكنية فاضت بساكنيها وبضيوفها، فالمدينة التي يبلغ عدد سكانها الاصليين خمسين الفا، اصبحت تضم بين جنباتها نحوا من 120 الف شخص”.
ويوضح، “ان الخيار انساني، وكلمة العراسلة موحدة على هذا الصعيد، ولن تثنينا قوة عن فعل المستحيل لتوفير افضل الظروف الانسانية لهؤلاء الى حين عودتهم الى ديارهم”.
مخيمات النزوح
ولكن كيف هو الوضع بعد هجرة القلمونيين الاخيرة؟
يجيب احمد الحجيري احد المسؤولين عن التنسيق مع الجمعيات الرسمية والدولية العاملة على اغاثة النازحين : “لا بد من الاشارة الى ان آخر احصاء ميداني اجرته وزارة الشؤون الاجتماعية ومفوضية شؤون النازحين التابعة للامم المتحدة بالتنسيق مع البلدية والهيئات الاهلية العرسالية بلغ نحو 2300 عائلة دخلت الى عرسال مع اندلاع معارك مدينة قارة في القلمون السوري، وزعت مساعدات غذائية على 1400 عائلة، وتسلمت نحو 900 عائلة مستلزمات ضرورية تساعد على تخطي ايام النزوح الاولى، فيما انتقل من مجموع النازحين الجدد نحو 180 عائلة الى بلدات الفاكهة ومشاريع القاع.
هذا من حيث الاعداد الوافدة حديثا، والتي تضاف الى اربعين الف نازح منذ بداية الازمة ما يرفع اجمالي النازحين حتى اليوم الى سبعين الف نازح، توزعوا على مخيمات بدائية واخرى تنجزها اليوم وزارة الشؤون الاجتماعية والامم المتحدة ودار الفتوى في البقاع، اذ نتوقع ان ننتهي من تجهيز مخيم يضم 180 خيمة على قطعة ارض قريبه من المدينة، أنجز منها حتى اليوم اربعين، والعمل جار لاتمامها سريعا”.
نتقاسم لقمة الخبز
ماذا عن ظروف حياتهم اليومية؟
يقول ابو علي الرنكوسي، ناشط في اوساط النازحين السوريين: “العراسلة لم يوفروا جهدا في استضافتنا وحمايتنا وتوفير ما نحتاجه ضمن المتاح، لقد تقاسمنا معهم لقمة الخبز المغمس بالدماء، وهذا فضل لن ننسساه ما حيينا، وهم اليوم، يبذلون جهدا كبيرا فوق طاقتهم لاحداث بعض التكامل مع الهيئات والجمعيات العاملة في مجال الاغاثة، نحن لا نطب الكثير من هذه الجمعيات، بل الحد الادنى الذي كفلته شرعة حقوق الانسان، هناك جهد كبير لانجاز مخيمات جديدة، لكن هذه المخيمات على اهميتها الراهنة لن تنجح في حماية عائلاتنا واطفالنا من فصل الثلوج والامطار في هذه الجرود، نحن نعرف قساوة الطبيعة هنا، ولك ان تتخيل اطفالا في خيم على ارتفاع 1600 متر يعيشون في ظل درجات حرارة متدنية اليوم بلغت الصفر، فأي خيمة وأي بناء مشابه سيصمد في العواصف والثلوج، وما هو مصيرنا؟”.
ويتناول الرنكوسي واقع الخدمات الطبية، فيشير الى “اهمية المستشفى الميداني الذي انشئ سابقا في تأمين الخدمات الطبية للنازحين، وإسعاف الجرحى الذين اصيبوا اثناء انتقالهم من قرى القلمون الى عرسال”، ويلفت الى “بحث جدي بانشاء مستشفيات نقالة تعمل على انجازها وزارة الشؤون الاجتماعية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية ومنظمة اطباء بلا حدود”، ويشير الى “دور بارز لتيار “المستقبل” وبلدية عرسال على هذا الصعيد، خاصة في ما يتعلق بتوفير الادوية، ونقل الحالات المستعصية الى مستشفيات العاصمة او الشمال”.
ويختم الرنكوسي:”ليس بالامكان فعل ما هو أكثر، لكن نخشى من تفاقم الاوضاع في الآتي من الايام، وعليه، نحن لا نحمل المسؤولية للدولة اللبنانية والمنظمات الدولية، بل ان المسؤول الاول والاخير هو الطاغية بشار الاسد ومعه حزب الله، هم يتحملون المسؤولية كاملة عن كل مآسينا، عن شهدائنا وجرحانا، عن مرض اطفالنا ونسائنا، عن جوعنا وتشردنا، عن دمار بيوتنا، وعن حقنا في العيش بكرامة، ورغم ذلك، لن نرضخ وسنبقى مخرزا في عين الاسد واعوانه”.
معارك ونزوح متوقع
وليس بعيدا عن الواقع المأسوي لاكثر من مئة وعشرين الف شخص عديد السكان المحليين والنازحين – يعيشون ظروف حصار حقيقي، امني واقتصادي واجتماعي وصحي، حذر عدد من اهالي عرسال المتابعين لاوضاع النازحين، من احتمال وصول موجات جديدة من اهالي القلمون الى عرسال، وتوقع هؤلاء ان يلامس العدد مئة وخمسين الف شخص بين نازح قديم ووافد جديد يضافون الى عدد السكان الاصليين، ويقول هؤلاء:” نحن نتابع الاخبار الواردة عن احتدام المعارك وما سيرافقها من نزوح، وبالتالي، على الجهات المعنية، لبنانية ودولية العمل على اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة لمساعدتنا في استقبال وايواء الاعداد المتوقعة، خاصة وان الواقع الحالي للمخيمات، لا يمكن وصفها سوى بمخيمات البؤس”.