|
|
||||||
المطلوب حالاً في هذه المرحلة الحسّاسة التي وصل إليها بفضل استدراج اللهيب السوري إلى الداخل اللبناني، أن يتواضع الجميع وعلى رأسهم من يحمل السلاح ويتبجّح بقدرته في فرض شروطه بالحديد والنار والأصابع المرفوعة، وللتاريخ، يُسجَّل للنظام الكيميائي قدرته على تصدير الفتنة من العمق السوريّ إلى الداخل اللبناني وفرضها على الساحة السنية الشيعية تارةً بمخططات فشِلت وتارةً أخرى بالعمل ليلاً ونهاراً على تأجيج حالة مذهبية نعرف أين بدأت وكيف، لكن ما نجهله جميعاً، أين سينتهي الأمر وماذا ستكون الأكلاف ومن هم الضحايا الجُدد الذين سيطالهم الارهاب القادِم من بلاد الشام.
من يعتقد أنه يستطيع شطب الاعتدال واستبداله بالـ”لا شيء” هو إما واهِم وإما غبيّ أو متآمِر، فشطب الاعتدال سيُنتِج التطرف الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى ما وصلنا إليه. ثقافة قديمة جديدة عدنا وأدخلناها من الباب العريض، أول من يستفيد منها هو الإسرائيلي الذي شدد الأميركي (جون كيري) بالأمس على ضمان أمنه في “صفقة العصر” تماماً كما شدد الرئيس الروسي على ضرورة ضمان أمنه عشيّة صفقة الكيميائي قبل شهريّن.
ومن يعتقد أن اسقاط الاعتدال السنيّ في لبنان هو متآمِر قبل أن يكون غبيّاً أو واهماً، كونه يعلم أن سياسة “قصقص ورق ساويهم رؤساء حكومات” لا تنفع، وما نتيجة الاحتقان الا التطرف الذي يُنتِج ما هو أبشع بكثير من الاعتراض السلمي ليخلص بنهاية المطاف بطريقة لطالما اشتهتها إسرائيل وعمل على تأجيجها نظام بشار الأسد. فكم ستتكرر تلك الحالات الانتحارية الشاذّة والغريبة عن المناطق اللبنانية كافة إذا ما استمرت سياسة “حزب الله” على هذا المنوال من البلطجة والاستعلاء والتهديد والرعيد.
قبل أي شيء على “حزب الله” أن يتواضع، وبالتالي عليه أن يُراجع حساباته اللبنانية أولاً والاقليمية ثانياً، في ظل التوتر المذهبيّ البغيض من جهة، والصفقات الأممية الكبرى من جهة ثانية، عليه أن يُسهِّل عملية تأليف الحكومة ويستبدل خطابه التهديدي بنبرة عاقلة مقبولة تمهيداً لإيجاد المخرج اللائِق لانسحابه من الورطة السورية التي أدخل نفسه والشعب اللبناني بنارها الحارقة.
المطلوب من “حزب الله” اليوم ومن جميع اللبنانيين، تأييد الخطاب الاستقلالي الذي القاه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، تحصيناً للسلم الأهلي وصوناً للسيادة اللبنانية واحتراماً للدستور الذي يحافظ على حقوق جميع اللبنانيين دون استثناء. أوليس غريباً أن تأتِ الإشادة بالرئيس اللبناني من نظيره الإيراني فيما “حزب الله” يعمل ما بوسعه لعرقلة “إعلان بعبدا” الهادف إلى تحييد لبنان وحفظ أمنه، أما آن لهذا الفريق أن يتّعِظ في زمن صار فيه الشحن المذهبي المدفوع الثمن من قبل أعداء لبنان أولوية، على حساب الاعتدال الذي عرفه لبنان وعرفته صيدا، هذه المدينة التي ناضلت ولم تزل للحفاظ على صورتها المُشرقة وتاريخها الناصِع بالرغم من كلّ المحاولات الفاشلة لشيّطنتها.