كتبت صحيفة “الراي” الكويتية:
عيْن على التطور التاريخي الذي سُجل فجر امس بإعلان التوصل الى الاتفاق بين المجتمع الدولي وطهران حول الملف النووي الإيراني، وعيْن على التداعيات الأمنية التي تواجه لبنان. هكذا بدا المشهد الداخلي في بيروت امس وسط أجواء شديدة القتامة والغموض لا تزال البلاد ترزح تحتها بعد التفجيرين امام السفارة الايرانية الثلاثاء الماضي ومن ثم كشْف هويتيْ الانتحارييْن (لبناني وفلسطيني من سكان لبنان) اللذين نفذا العملية وما تخلل الايام الاخيرة من تطورات أمنية وتداعياتها سياسياً.
وبدت الأوساط السياسية اللبنانية كأنّها فوجئت بالتطور الكبير الذي تَمثل في إعلان اتفاق جنيف للملف النووي الايراني بما يرجّح تريّث معظم القوى الداخلية في اعلان تقويماتها ومواقفها من هذا التطور الى ان تتضح صورة الاتفاق تماماً وما يمكن ان يترك انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الوضع في لبنان ولا سيما في ضوء كيفية تلقُّفه من الدول العربية الفاعلة وخصوصاً السعودية التي بدت مرتابة من هذا التطور، في مؤشر الى ان الاشتباك بين الرياض وطهران حول سورية وترسيم حدود النفوذ الايراني في المنطقة لا يزال على حاله وربما يتجه الى فصول جديدة من الاحتدام وسط هجوم غير مسبوق في حدّته شنّته صحيفة «الجزيرة» السعودية على الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله وعبره على ايران و«مخططها في المنطقة».
في غضون ذلك لم يؤد حسم هويتيْ الانتحارييْن اللذين نفذا عملية التفجير المزدوج امام السفارة الايرانية الى اماطة اللثام تماماً عن كل ملابسات هذا التفجير. ورغم اهمية الخطوة التي حققتها مخابرات الجيش اللبناني في كشف هوية كل من المواطن الصيداوي معين ابو ظهر والمواطن الفلسطيني عدنان المحمد واثبات فحوص الحمض النووي الريبي انهما الانتحاريان اللذان نفذا التفجيريْن، فان دائرة التساؤلات اتسعت حول حقيقة الجهة التي تقف وراءهما والتي لا تزال مجهولة حتى الآن.
ذلك ان المؤشرات الاولية تتجمع عند ارتباط الانتحارييْن بحالة الشيخ احمد الاسير الذي لم تعد تتوافر اي معلومات عن مصيره ومكانه المحتمل في حال كان لا يزال حيا منذ العملية العسكرية للجيش في منطقة عبرا في 23 و 24 يونيو الماضي والتي أنهت حالته، علماً ان مخابرات الجيش اوقفت اول من امس العديد من أنصاره للتحقيق معهم. ولكن التحقيقات الجارية الآن لم تتوصل بعد الى حسم واضح لجملة نقاط تتعلق بالجهة التي شغلت الانتحارييْن اولاً ولا اين جرى تفخيخ السيارة الملغومة التي قادها الانتحاري الثاني بعد تفجير الاول نفسه بحزام ناسف. كما لم تحسم نقطة ثالثة تتعلق بما اذا كان شخص ثالث او اكثر ساعدوا الانتحارييْن علما ان معلومات تشير الى الاشتباه بشخص ثالث. ولا تقف دائرة الغموض عند هذا الحد بل ان ثمة تساؤلات كثيرة أثيرت حول حادث اعتراض سيارة مفخخة بنحو نصف طن من المتفجرات في البقاع الشمالي قبل يومين في ظل التعتيم الذي ضُرب على ملابسات هذه القضية. ومع ان المعلومات التي توافرت عن هذا الحادث اكدت ما سبق لـ «الراي» ان أوردته عن مواجهة حصلت بين مجموعة حزبية ومسلحين كانوا ينقلون السيارة المفخخة على طريق مقنة – يونين في قضاء بعلبك قبل ان يحضر الجيش ويعطل الحمولة المفخخة الكبيرة للسيارة، فان ايا من الجهات المعنية لا تؤكد بعد اذا كانت وجهة السيارة في بعلبك ام في بيروت ام في منطقة اخرى.
ويقول مصدر مطلع على المجريات الأمنية لـ«الراي» ان القوى العسكرية والاجهزة الامنية على اختلافها تواكب مرحلة استنفار قصوى لمواجهة خطر تجدد التفجيرات وضبطها بشكل استباقي وحازم.
وأشار الى ان التقويمات الامنية الرسمية للوضع الناشئ تثير الخشية الواسعة من مزيد من الاستهدافات الارهابية، ولذا لم يجر نفي ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي من لائحة بسيارات مشبوهة تم تعميمها لان هذا الاحتمال لا يزال ماثلاً والجميع على بينة من ذلك.
ولفت المصدر في هذا السياق الى ان بعض الجهود السياسية ولا سيما من جانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان تَركز على تجنّب تصاعُد مناخ اتهامي وتبادل حملات اعلامية خشية ان يزيد ذلك من وطأة الاحتقانات الداخلية ويعرّض البلاد لمزيد من الانكشاف السياسي والامني وخصوصاً ان كشف هوية الانتحاري الصيداوي اثارت موجة استنكارات واسعة في صيدا بالدرجة الاولى، ترافقت مع وضع قادة في 14 آذار الأمر في سياق تداعيات حال «القهر والتحدي والاستقواء، والتورط العسكري غير المحسوب في الحرب السورية».
وفي موازاة ذلك، تم الافراج عن هبة شقيقة الانتحاري الفلسطيني عدنان المحمد، ووالده وشقيقه بعدما تأكد الا علاقة لهم بالتفجيرين وانهم لم يكونوا على اتصال به في الفترة الاخيرة.
وفي حين أشارت تقارير الى ان عدنان (20 سنة) هو الابن الثاني في عائلة فلسطينية مؤلفة من سبعة افراد تقيم منذ السبعينات في بلدة البيسارية – قضاء الزهراني، نُقل عن مصدر امني رفيع ان مجموعة من الشبان يقطنون في البيسارية وعلى صلة بالجماعات السلفية غادروا البلدة فور التعرف على هوية الانتحاري الثاني، وان القوى الامنية تعمل على ملاحقتهم لمعرفة اذا كانوا على علاقة بالتفجيرين.
وبعد دخول العامل الفلسطيني على خط تفجير بئر حسن عبر عدنان المحمد، برزت سلسلة اتصالات تولّتها شخصيات صيداوية في محاولة لمنع اي ردات فعل في عاصمة الجنوب وفي مخيم عين الحلوة.
وشدد أمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» في لبنان فتحي ابو العردات على أن «الارهاب ليس له أي هوية ولا دين ولا جنسية وأي متورط مرتكب في هذا الموضوع نرفع الغطاء عنه ونتبرأ منه».