وعدا ووفيا بوعديهما. أميركا قبل أوباما اعتنقت لغة الحرب والضربات الاستباقية ونشر كلّ العسكر الأميركي، خارج حدود أميركا، لمحاربة الارهاب في عقر داره. إيران في زمن أحمدي نجاد هي إيران مواجهة كلّ الغرب وأميركا بالنّسبة اليها تبقى الشيطان الأكبر.
أمّا اليوم في زمن اوباما، فقرّر إرجاع كلّ الجنود إلى بيوتهم سالمين. وها هو العام 2014 يطلّ برأسه عام إرجاع آخر جندي أميركيّ في أفغانستان إلى دياره في الولايات المتحدة الأميركيّة. زمن الغارات بطائرات الاستطلاع التي اشترت الولايات المتحدة تقنية صنعها من حليفها السرمدي أي إسرائيل.
وهو زمن روحاني الذي أتى بذهنيّة التّخلّي عن كلّ شيء لاستنهاض همّة إيران الاقتصاديّة ليتنفّس الايرانيّون الصّعداء بعد عقوبات أضنتهم وأثقلت كواهلهم.
هي السّياسة وفيها كلّ شيء مقبول لكن الاشكاليّة المطروحة هنا، ما هو المقابل؟ هل هناك من أثمان ستدفعها إيران أم من تنازلات قدّمتها الولايات المتحدة الاميركيّة قد تكون تضحيتها بحليفتها الوحيدة في المنطقة لتكسب شرقا أوسطا جديدا؟
كلّ الاحتمالات مفتوحة والايّام القليلة القادمة ستوضّح معالم هذا الاتّفاق، الذي ومنذ بدايات إعلانه بدأت الآراء بالتّضارب، فيما لو تخلّت إيران عن التخصيب أو لا. لكن حسابات الولايات المتحدة الأميركيّة تختلف عن حسابات الجمهوريّة الاسلاميّة، فقبل كلّ شيء تبقى وحدها ضابط إيقاع هذه المنطقة الساخنة من العالم والتي تعوم على ثروات طبيعيّة معلنا عنها حديثا.
فبموجب هذا الاتّفاق أوجدت الولايات المتحدة الاميركيّة توازنا نوويًّا بين قوّة سنيّة متمثّلة بباكستان، وقوّة شيعيّة تمثّلها إيران، وقوّة ثالثة يهوديّة ممثّلة بإسرائيل. وإذا ما لحظنا الموقع الجيوسياسي والجيوستراتيجي لهذه الدّول بالنّسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، فالأولى، أعني باكستان في شرق المنطقة، وإيران في شمالها، وإسرائيل في جنوبها، والغرب يبقى للأبيض المتوسّط. لكأنّ هذه الدّول هي كمّاشة الشرق الأوسط، روسيا تتحكّم بالفكّ الشمالي بينما الفكين الشرقي والجنوبي فهما بيد أميركا. ما يعني ذلك بطريقة غير مباشرة أنّ الحقول النّفطيّة ستوزّع على أساس مواقع هذه الدّول والتزاماتها الدوليّة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة اخرى.
كذلك بالنّسبة الى دور ايران في منطقة الشّرق الأوسط، ودورها في صلب الأزمة السّوريّة، والصراع العربي الاسرائيلي الذي باتت إيران جزءاً أساساً منه بدعمها لـ”حزب الله” في جنوب لبنان. والأكثر من ذلك كلّه تعدّى دور إيران دعم جماعات أو مجموعات مقاومة ليشمل تغييرات في أيديولوجيّات وتركيبات دول على أساس دعمها الأقليّات الشيعيّة الموجودة داخل الدّول العربيّة السنيّة، كدعمها للحوثيين في اليمن أو حتّى للمجموعات الشيعيّة في السّعوديّة وتأليبها على العائلة الحاكمة، كذلك في الكويت والبحرين. ناهيك عن تحويل وجه العراق السنّي إلى شيعيّ ووجودها في صلب الصراع المذهبي العراقي الذي تؤججه وفقاً لمصالحها. من هذا المنطلق باتت إيران امام أجندتين:
– الأولى: إطلاق يدها بالمطلق في المنطقة لتحويلها من العهد السنّي في الحكم، الى العهد الشيعي وبالتّالي تكون بذلك قد حققت إيران مقابل تخلّيها عن مشروعها النّووي تحقيق مشروعها العقائدي الأيديولوجي. وهذا المشروع بالنّسبة الى إيران هو الهدف الأساس وليس التسلّح النّووي. لكن السّؤال المطروح هنا: هل سيقف التيّار السنّي العربي، الذي يعتبر أكثريّة في الجزيرة العربيّة متفرّجًا؟ لا سيّما وأنّ السّعوديّة تتعاون بشكل مطلق مع باكستان فيما يتعلّق بالتسلّح وتدريب الجيوش، كذلك المعارضة السوريّة تتلقى مساعداتها من باكستان عن طريق السّعوديّة لنصرة مشروع الدّولة السنيّة ضدّ الدّولة العلويّة المدعومة من إيران.
– الثانية: تخلّي إيران عن مشروعها الأيديولوجيّ قبل مشروعها النّووي مقابل تحرّرها اقتصاديا من كلّ العقوبات. وما يشمله هذا التّخليّ: الخروج من الآتون السّوريّ من خلال سحب الحرس الثّوري و”حزب الله” من سوريا، وعندها تسهل مهمّة انتصار المعارضة على النّظام المدعوم ايرانيًّا. كذلك يتراجع “حزب الله” في لبنان عن دوره التّوسعيّ. لكن السّؤال المطروح هنا: هل سيقبل الحرس الثّوري وهو خارج عن إطار قيادة روحاني بالتّراجع؟ أم أنّ “حزب الله” سينسحب من سوريا وينكفأ عن مشروعه في السيطرة على الدّولة اللبنانيّة ليرضي أسياده في إيران؟
لكن هنالك لاعب أساسيّ وهو ذراع الولايات المتّحدة الأميركيّة في الشرق الوسط أي إسرائيل، الاشكاليّة بالنّسبة اليها: هل ستقبل بدور أكبر للجمهوريّة الاسلاميّة على حدودها الشّماليّة؟ الا إذا كانت السياسة التي اتّبعت في حرب ايران والعراق في ثمانينيّات القرن المنصرم قد استفاقت وعاد زمن شراء المعلومات المخابراتيّة والأسلحة من اسرائيل لمواجهة السنيّة المتفشيّة في العالم العربي؟ أو أنّ التّهويل الذي تنادي به اسرائيل هو لمجرّد ذرّ الرّماد في العيون؟ الأيّام القليلة القادمة كفيلة بكشف المستور.