من الواضح والمعلوم أن الانسان عموماً واللبناني خصوصاً، بميل الى تحميل الآخرين مسؤولية أخطائه وهفواته، التي غالباً ما تكون نتيجة لقلة معرفة وإدراك وخطأ في التقدير. وما ينطبق على المواطن العادي، ينطبق أيضاً وبشكل كبير على السياسيين والمسؤولين اللبنانيين.
فنااااااادراً ما سمعنا مسؤولاً يعترف بخطأ قام به، أو اعتذر عن فِعلٍ ارتكبه عن قصد أو غير قصد. فمعظهم يعتبر نفسه مُنزهاً عن الأخطاء، ومهما فعل أو قرر، ومهما كانت فظاعة خياراته، والتي تكون كارثية أحياناً، يجد دائماً مَن يدعمه ويؤازره.
وبالرغم من كل ذلك، ومع أن الشعب اللبناني يُعتبر من الشعوب الذكية، مبدئياً، إلّا أنه بَعيد كل البعد عن محاسبة مَن يختارهم ليكونوا مسؤولين عنه وعن وطنه.
في البلدان الديمقراطية والمُتحضرة، تكفي هفوة صغيرة من تلك التي تملأ يوميات مسؤولينا، أن تؤدي الى استقالة وزير، أو حتى حكومة بأكملها. أما في بلدنا، فمهما ارتكب المسؤول من هفوات، وفاحت منه رائحة الصفقات والسمسرات، يبقى مرتاح البال ومطمئناً الى وضعه السياسي والشعبي، لأنه يعرف في قرارة نفسه، أن مناصريه وأتباعه، وبغض النظر عن سلوكه، سيعاودون انتخابه في الجولة المقبلة بكل حماس وثقة، ومنحه بسخاء نادر قلّ مثيله، الروح والدم، ليتصرف بهم على كيفه.
والأسواء من هذا، أن كل الأخطاء المُرتكبة تجد لها دائماً المبررات اللازمة عند الأتباع وبشكل ببغائي بعيد عن كل منطق وتفكير، وعندما تبرهن لأحدهم أن ذلك تصرف سيىء يقول لك أنا أحبه هكذا، وعندما يساوره الشك بعد أن ينزرك، يجاوب، ما كلن متل بعضن. كثيراً ما استوقفتني هذه العبارة التي يرددها أيضاً غير الملتزمين أو المؤيدين لأحد، وهي بالفعل تدل وبشكل فاقع وفاضح على قلة ادراك ووعي وثقافة.
هذا الشعب الذي تقع عليه مسؤولية الاتيان بالاشخاص المناسبين ليكونوا في مراكز القرار، تراه إمّا في خط مناهض لكل ما يمت الى السلوك الوطني بصِلة، أو لا يكترث بما يجري من حوله ومستقبل وطنه.
فبأي منطق وحس وطني وضمير، يمكن أن يتساوى الشجاع بالجبان، أو النزيه بالسارق، أو الضحية بالقاتل، أو المهذب بقليل التهذيب، أو من يُضحي بنفسه بالذي يضحي بغيره، أو مَن يعمل لبناء وطن ودولة حديثة بمؤسساتها الدستورية، وبين مَن يتحين الفرص لتقويض وتهميش وتفريغ واستنزاف هذه المؤسسات.
كلا أيها المواطنون الأعزاء، ليسوا كلهم مثل بعضهم. فالتاريخ مليء بالملاحم التي سطّرها أبطال قاوموا وصمدوا واستطاعوا أن يعكسوا مسار الأحداث لمصلحة أوطانهم وشعوبهم. كما أنه يزخر أيضاً بقصص الجبناء الفارين من المواجهات، واليوضاسيين الخونة الذين باعوا ضميرهم للغريب من أجل جاهٍ وسُلطة وحفنة من الفضة.
لذا، وإن كنتم حقاً تريدون تغيير هذا الوضع الرديء، ووقف المسار الإنحداري الذي بات يشكل خطراً مباشراً على الوطن والكيان، عليكم أنتشال رؤوسكم من الرمال، والبدء بقراءة الواقع وتتبع الأمور بعين مجردة وقلب خالٍ من الحقد وعقل يُسَيره المنطق، والمنطق فقط، بما يؤدي الى الإختيار الجيد والسليم في كل قراراتكم الوطنية والمصيرية.
فلا البكاء على الأطلال يُعيد خسارةً، ولا النحيب والندب يُقيم ميتاً، وأنتم المسؤولون أولاً وأخيراً عن هذه الوضع المتأزم والقاتم من خلال خياراتكم الخاطئة، وعليكم إيجاد الحلول،الواضحة والبسيطة جداً، للخروج منهذا النفق.