منذ خطاب القسم، وحتى كلمته عشية عيد الاستقلال، كان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يحرص في كل مناسبة تتطلب التعبير عن موقف رئاسة الجمهورية، على تناول الاحداث والقضايا المتزامنة مع المناسبة، مؤكداً او مجدداً او معلناً موقفاً ما، حول نظرته كمسؤول اول عن الدستور وعن سلامة لبنان والشعب، وما يراه ضرورياً لانتظام الحياة الدستورية الديموقراطية السياسية، ولاعطاء الدولة جرعات القوة والتماسك، منتقداً احياناً وملمحاً احياناً اخرى، وموجها في كل حين، من ضمن سياق راق في الكلمة والمعنى والشكل، قائم على معرفة دوره تماماً كرئيس للجمهورية، بعيد عن الاصطفافات السياسية، قريب من التوجهات والمفاهيم الوطنية، هادىء، موزون، يترك للكلمة العميقة، والموقف الثابت، ان يعبرا عما يقصده من توجه في هذه المناسبة او تلك، على قاعدة: لكل مقام مقال، وبالتالي فان كلمته عشية عيد الاستقلال، التي تناول فيها تقريباً جميع القضايا التي تناولها سابقاً، كانت مركزة ودقيقة ومباشرة وصريحة، لأن الوضع في لبنان بدأ يلامس الاخطار الحقيقية التي تسبق عادة انهيار الدول، سياسياً واقتصادياً وامنياً وكيانياً واجتماعياً، وكأن الرئيس سليمان اراد بشمولية كلمته، وبتحديده اسباب الازمة القائمة، والاشارة الى طرق معالجتها، ان يدق ناقوس الخطر، وان ينبه الغافلين عن حجم الكارثة، وان يضع اصبعه على جروح الوطن العميقة، وان يقول في الوقت، ذاته، ان الامل بالخلاص موجود، وان العلاج ممكن.. ولكن هذا هو العلاج، وهذه هي الطريق، ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع اصاب عندما اعتبر ان كلمة الرئيس سليمان لمناسبة ذكرى الاستقلال تصلح لان تكون خريطة طريق للحل.
****
الرئيس سليمان منذ بداية ولايته وحتى اليوم، حرص على ان يبقى على مسافة واحدة من جميع الافرقاء، معتبراً وممارساً دوره في شكل كامل على انه رئىس توافقي، ولكنه ليس على الحياد في ما يخص مصلحة لبنان واحترام الدستور والقوانين واسس النظام الديموقراطي البرلماني، وتثبيت هيبة الدولة وقدرتها، ولأنه هكذا، كان يأخذ احياناً مواقف لا ترضي قوى 14 آذار وكانوا ينتقدونه ولكن بكثير من الاحترام، واحياناً لا تعجب قوى 8 آذار، الذين غالبا ما فتحوا عليه النار، وكالوا له الاتهامات، بعيدا من احترام اللياقات والاصول في مخاطبة رئيس البلاد ورمز كرامتها، وكان في الحالتين يأخذ الامور بالصبر والهدوء وطول البال، الى درجة ان البعض وصف موقفه هذا بالضعف بدلا من قراءته بانه موقف مسؤول مترفع كبير، ضنين بتحميل البلاد المزيد من التشنج والانقسامات، وكن لافتاً ان قوى 8 آذار بجميع شرائحها، وجدت على ما يبدو نفسها «مستهدفة» بما قاله الرئيس سليمان في كلمته، ولذلك لم تعلن اعجابها وموافقتها ورضاها على الكلمة، بعكس قوى 14 آذار وقوى المجتمع المدني واكثرية الشعب اللبناني الذين رأوا فيها بابا مفتوحاً على مصراعيه ليدخل منه جميع الافرقاء الى ورشة انقاذ لبنان، بهدي خريطة الطريق التي وضعها الرئىس سليمان، ومع ذلك يمكن التأكيد بان سليمان لم يقل ما قاله ليرضي 14 آذار، او يغضب 8 آذار، بل قال ما قاله ليرضي ضميره واقتناعاته وما اقسم عليه في بدء عهده، واذا كان هناك امل بوقف انهيار الدولة، وبتحييد لبنان عن مشاكل الآخرين وصراعاتهم، وبالمبادرة الى تحكيم العقل والضمير ومصلحة الوطن، فالرئىس سليمان حدد الداء ووصف الدواء، ولا يعوز الخلاص، سوى اعتماد النيات الطيبة، قبل ان تأكل نار العداوات الجاهلية، الاخضر واليابس في هذا الوطن المعذّب.
للرئىس سليمان الشكر على قلقه وسهره وتعبه وتصميمه على العطاء، ومشهد عرض الاستقلال يشهد على تعاسة ما وصل اليه لبنان، في ظل رئيس مجلس نيابي ونواب ممدد لهم وقائد جيش ممدد له، ورئىس حكومة مستقيل وممدد له، ورئىس حكومة مكلف وممدد له، وحده رئيس الجمهورية يحارب لوقف التمديد، حتى لا نصل الى استحقاق انتخاب رئىس جمهورية ويدخل كل لبنان في الفراغ.