#adsense

الجمهورية أو الفوضى والدم ؟

حجم الخط


كثيرة هي الأسباب التي تدفع اللبنانيين إلى أن يقلقوا على حياتهم وأحوالهم وأن يضعوا أيديهم على قلوبهم خشية وتوجسّاً بعدما بات استقرارهم مهدداً، وأمنهم في خطر، وهم يرون رقعة النار تتسع وتتمدد شمالاً وبقاعاً وضاحية جنوبية، والخناق يضيق عليهم ويجعلهم أسرى الترقب والحذر وانتظار « الآتي الأعظم»…

ما حذرنا منه على امتداد الأشهر الماضية بدأ يتحقق وللأسف وكان مقدراً لتلك الأسباب ان توصل إلى هذه النتائج بعدما صار الوضع اللبناني مربوطاً بالازمة السورية وبدأ يتلقى تداعياتها وارتداداتها، وبعدما صارت سياسة النأي بالنفس مجرد خيار نظري تجاوزته الاحداث ومثلها إعلان بعبدا الذي تخطاه الواقع وصار بحاجة إلى إعلان ثانٍ وإلى اتفاق يتبناه ويؤكد عليه.

فها هي أحداث طرابلس تستمر فصولاً وجولات من القتال العبثي ولم يعد ينفع معها لا خطط أمنية ولا اجتماعات مركزية بعدما بات الأمن بالتراضي وباسترضاء قادة المحاور والمجموعات وبعدما أصبح الوضع على الأرض خارج السيطرة الفعلية للدولة. وترخي اشتباكات طرابلس المتكررة بثقلها وظلالها على مجمل الوضع في الشمال مهددة بالتوسع والتمدد إلى ما هو أبعد من جبهة باب التبانة- بعل محسن وبتفجير صراع سني ـ علوي هو في الواقع امتداد للصراع السوري من جهة وانعكاس للصراع السني- الشيعي المتأجج على مستوى المنطقة والمتقدم بخطى تصاعدية مقلقة في لبنان. وما يجري منذ فترة من اشتباك سياسي وكلامي بين حزب الله وتيار المستقبل تطوّر إلى استخدام الاسلحة الإعلامية الثقيلة هو شكل من أشكال هذا الصراع الذي بدأ يتفلت من الضوابط والقيود ويتسبب بحالة هستيرية من التوتر والتشنج والاحتقان.

والوضع في البقاع ليس أفضل حالاً، لا بل يسير من سيىء إلى أسوأ، خصوصاً مع اندلاع معركة القلمون التي بدأت شراراتها تصل إلى لبنان بشكل مباشر، إن لجهة التسبب بموجة جديدة وكبيرة من النزوح السوري إلى لبنان غير القادر على استيعاب أعداد إضافية وغير الجاهز لمواجهة الخطر الأمني الذي ينطوي عليه هذا النزوح العشوائي الذي يشتمل ايضاً على مقاتلين ومتطرفين وإرهابيين… والمخاوف تتعاظم لدى أهلنا في البقاع ومن كل الطوائف وفي كل المناطق من انعكاسات أمنية لما يجري على مقربة من الحدود اللبنانية مع سوريا، ومن وصول شظايا القتال الدائر في منطقة القلمون إلى الاراضي اللبنانية لتصيب أمن البقاع في الصميم مع تجدد الغارات السورية على جرود عرسال وتجدد القصف الصاروخي الآتي من وراء الحدود على قرى وبلدات بقاعية، ومع تجدد أعمال الخطف على الطرق التي تربط عرسال بالهرمل وعكار…

وفي وقت كانت الأنظار موزعة بين طرابلس وعرسال، عاد هاجس وخطر التفجيرات ليخيّم على الضاحية الجنوبية مع وقوع التفجير الإرهابي المزدوج في منطقة بئر حسن في استهداف مباشر للسفارة الإيرانية وما تمثله من سياسات وخيارات وتحالفات. وقد انطوى هذان التفجيران على خطورة بالغة وأعطيا مؤشراً مقلقاً لمستقبل الاوضاع في لبنان ومحيطه. فمن جهة أعلنت العملية الإرهابية في بئر حسن، هذه المنطقة الراقية من الضاحية الجنوبية، دخول لبنان مرحلة «العرقنة» وانتقال النموذج العراقي الإرهابي إليه مع دخوله مرحلة التفجيرات الانتحارية التي تعلن عن قدوم القاعدة إلى لبنان وعن وجود خلايا نائمة وكامنة تضمر الشر للبلد وأهله. ومن جهة ثانية أدرجت هذه العملية الإرهابية في سياق الصراع الأقليمي الشيعي ـ السني الدائر في المنطقة، وجرى تصنيف لبنان ساحة من ساحات تصفية الحسابات وجرى إلحاقه بساحات أخرى متفجرة مثل سوريا والعراق. وهذا لوحده كافٍ لتحويل القلق إلى حالة من الذعر والهلع ازاء ما يدبّر للبنان وما ينتظره من مفاجآت وأحداث دموية. ومع اكتمال حلقة المخاطر الأمنية لم تعد توفر وتستثني أي منطقة في لبنان وتتلبد غيوماً سوداء في سمائه المكفهرة.

وما يزيد في الطين بلة وفي الوضع خطورة أن الفجوة الأمنية تكبر حجماً وتتسع نطاقاً في ظل وضع داخلي مسدود الأفق يفتقر إلى الحد الأدنى من الوفاق الوطني والحوار السياسي. وهو ما يؤدي إلى الإطاحة بالاستحقاقات الدستورية وإلى تعطيل المؤسسات وإفراغها من مضمونها ودورها، وإلى إدخال البلاد في دوامة لا تنتهي من التمديد وتصريف الاعمال والفراغ الذي بدأ يدق باب رئاسة الجمهورية. ومع حكومة مستقيلة لا تجتمع، ومجلس ممدد له لا ينعقد، ورئاسة جمهورية تواجه خطر الفراغ، تكبر المخاوف الأمنية وتصبح مشروعة ومحقة وتكبر مسؤولية الدولة والقيّمين عليها والمؤثرين فيها من مسؤولين وسياسيين في التصدي لهذه الحالة الشاذة وتهدئة روع الناس والحد من مخاوفهم المبررة على الأمن، ومن سخطهم على هذا الخرق المتمادي للخط الأحمر الأول الذي اسمه «الأمن»…

» الأمن أولاً» بالنسبة للبنانيين وهو الاهم عندهم والمتقدم على كل الأولويات والمسائل. معه يمكن ان يتدبروا أمورهم ويتكفلوا بأوضاعهم، ومن دونه تتعطل حياتهم ومصالحهم بعدما أكدت لهم التجارب أنه كل مرة انهار فيها الوضع الأمني، سقط الاستقرار بكل أشكاله وعلى كافة مستوياته، حيث أنه إذا لم يكن هناك أمن واستقرار فلا سياسة ولا اقتصاد ولا سياحة ولا حياة آمنة ومستقرة ايضاً.

خذوا من اللبناني كل شيء وأعطوه شيئاً واحداً «الأمن» ليصمد ويكافح في ظل هذه الاوضاع المعيشية المذرية على كل الصعد الصحية والتربوية والمالية والاجتماعية والحياتية والأمنية. يستطيع اللبناني أن يعيش من دون حكومة ولكنه لا يستطيع أن يعيش من دون أمن واستقرار. يمكن للبناني أن يرتضي تطييراً للانتخابات وتمديداً للمجلس النيابي ولكنه لا يمكن أن يتقبل للحظة المس بأمنه وتعريض عائلته وأحبائه وابنائه ومصالحه للخطر والموت والدمار والخراب. يمكن للبناني أن يغض الطرف عن مداخلات وتدخلات سياسية في شؤون وأزمات الآخرين وأن يتكيّف مع قواعد اللعبة الإقليمية، لكنه لا يتسامح ولا استعداد لديه للتكيّف مع أي توريط للبنان في أخطار أمنية وافدة من الخارج ومع أي توجه لاستدراج العنف والتطرف إلى الداخل اللبناني…

يمكن للبنانيين أن يصبروا على المسؤولين والسياسيين وان يجدوا لهم أعذاراً إن هم تقاعسوا في الاستحقاقات الدستورية وتأخروا في تشكيل الحكومة وأخفقوا في وضع قانون انتخابات جديد…وفي ارتهانهم للخارج واعطاء الاولوية لمصالح هذا الخارج على المصالح اللبنانية العليا. ولكنهم ليسوا على استعداد لتبرير وتمرير أي خطأ وتقصير وإهمال في موضوع الأمن، وإذا حصل ذلك فإنهم يلحون في السؤال وتحديد المسؤوليات وفي ممارسة الضغوط لسد الثغرة الأمنية ومنع تحوّلها إلى نقاط ساخنة وبؤر متفجرة…

ولذلك فإنه ازاء تعاظم الخروقات والمخاطر الأمنية ومعها تعاظم قلق اللبنانيين وتوترهم، يصبح مطلوباً من المسؤولين والسياسيين متكافلين متضامنين اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن، وهذا المكسب الأساسي الذي هو في أساس الصمود اللبناني والعلامة الفارقة التي تميّز لبنان عن سائر دول المنطقة الغارقة في أتون الصراعات والداخلة إلى أنفاق مظلمة.

وأول ما يجب فعله في مواجهة هذا الوضع الخطير هو إطلاق يد الجيش والقوى الأمنية وتحريرها من التدخلات والتأثيرات السياسية وتعزيز قدراتها وإمكاناتها التقنية واللوجستية والعملانية لتمكينها من أداء مهمامها المتشعبة وتوفير كل التسهيلات المالية لتلبية مطالبها وحاجاتها حتى لو تطلب الأمر اتباع سياسة تقشف وتقنين في مجالات أخرى أقل أهمية وتحتمل انتظار وتأجيلاً… فلا يكفي ان نتغني بجيشنا في يوم عيد الاستقلال وأن نثني على مناقبيته وانضباطه وان نعوّل عليه لدرء الفتن والأخطار، وإنما المطلوب هو مد الجيش ومديرية المخابرات والقوى والاجهزة الأمنية الاخرى من قوى أمن وأمن عام وأمن دولة بكل ما تحتاجه لتطوير قدراتها ودورها حتى يكون بمقدورها التصدي لموجة الإرهاب والتطرف الديني التي بلغت الأرض اللبنانية وضربت الاستقرار والأمن فيها، وحتى يكون بمقدورها تنسيق الجهود والخبرات والمعلومات لمحاربة الإرهاب والقضاء عليه في مهده قبل أن يتحوّل سرطاناً متفشياً في الجسم اللبناني الهزيل.

والأهم من ذلك هو تأمين التغطية السياسية الكاملة للمؤسسات العسكرية والأمنية كي تتحرك بقوة وفعالية من دون مراعاة أوضاع واعتبارات وخصوصيات، ومن دون خطوط تقيّد حركتها وتشل قدراتها والقرار الأمني… وفي الواقع فإن ما هو حاصل وما هو آتٍ ومرتقب يفرض أولاً تحييد الأمن عن السياسة قبل أن نبحث في أي خيار آخر، ويفرض ثانياً إعلان حالة طوارىء أمنية، ويتطلب ثالثاً العودة إلى الحوار لخلق بيئة وطنية وسياسية مساعدة على فرض الأمن بدلاً من خلق بيئة حاضنة للفلتان والفوضى والإرهاب إذا استمر السياسيون غائبين عن الوعي واستمرت الدولة مستقيلة من دورها.

وفي الختام أتوجه إلى اللبنانيين كل اللبنانيين وعلى مختلف توجهاتهم الدينية والطائفية والمذهبية لأقول لهم : يجب ان ننتفض على واقعنا الأليم للخروج من أزماتنا المتناسلة والتي لا تنتهي. وهذا لا يتحقق إلا بمحاسبة هؤلاء السياسيون والمسؤولون والقيّمون على أرواحنا وحياتنا وعلى مقدرات الدولة والوطن…

ولا قيام لدولة إذا بقي هؤلاء السياسيون يسرحون ويمرحون كما يريدون ويشاؤون، يلعبون ويقامرون بأرواحنا وأرواح عائلاتنا وأولادنا ويعرضوها بسبب سياساتهم واحقادهم وتبعيتهم وانقساماتهم للموت والخطر كل لحظة ودقيقة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل