على أثر انتصار السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453م في معركته التاريخية، بفتح عاصمة الدولة البيزنطية “القسطنطينية” وتحويلها الى عاصمة للسلطنة العثمانية باسمها الجديد اسطنبول، واندفاع الجيوش العثمانية بعدها نحو العمق الاوروبي، نشأ ما يعرف في حينه “بالمسألة الشرقية”، والمسألة الشرقية في عواصم القرار الاوروبي كانت تعني آنذاك التعاون بين ملوك وأمراء أوروبا لإيقاف زحف الجيوش العثمانية الاسلامية نحو القارة الاوروبية، والتي توقفت فعلاً على مداخل فيينا في عهد حفيد السلطان محمد الفاتح، السلطان سليمان القانوني، الذي وسّع كثيراً الأراضي العثمانية باتجاه أوروبا ودولها، وتوفي في بلاد المجر، إثر عودته من حصار فيينا وهو في طريقه إلى عاصمة بلاده، ونُقل جثمانه الى اسطنبول ليدفن فيها، وبعدها بقيت المسألة الشرقية بكل معانيها وأهدافها وغاياتها محفوظة في أدراج الملوك والامراء، ومن جاء بعدهم من الرؤساء في أوروبا، الى ان اعيد فتحها وطرحها مجدداً، من قبل التحالف الفرنسي/ البريطاني في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي، ليصار الى تغيير معنى المسألة الشرقية ومفهومها في حينه، ولم تعد تعني إيقاف تقدم الزحف العثماني باتجاه الغرب الاوروبي، بل تغيّرت لدى زعماء اوروبا الجدد وخاصة الانكليز والفرنسيين منهم، لتعني المسألة الشرقية بمفهومها الجديد، تقسيم وتقاسم تركة الرجل المريض اي (تقسيم وتقاسم السلطنة العثمانية). وبالفعل عملت بريطانيا على خداع العرب مع فرنسا ليعلنوا ثورتهم الكبرى عام 1916 بقيادة شريف مكة المكرّمة الشريف حسين الهاشمي ضد الخلافة العثمانية المترامية الأطراف والمنهكة والمتحالفة مع دول المحور وفي مقدمتها ألمانيا، بحجة أن ثورة العرب ستضمن لهم اقامة دولة عربية واحدة من المحيط الى الخليج وتتوسطها الأماكن الاسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة والقدس الشريف، غير ان هذا الحلم العربي، اندثر وتحطّم أمام الحلف الصهيوني – البريطاني بوعد بلفور المشؤوم عام 1917، والذي أعطى من لا يملك، الى من لا يستحق، قسماً كبيراً من أرض فلسطين وتهجير أهلها وتشريدهم الى البلاد العربية المجاورة، وتقسيم وتقاسم البلاد العربية بعدها وعلى فترات الى اثنين وعشرين كياناً عربياً، ليكونوا بديلاً لحلم العرب بإقامة دولة عربية واحدة قوية من المحيط إلى الخليج، اسوة بوحدة بلاد الترك، وبلاد فارس وما جاورها، وببقية الشعوب الكبيرة على شرق حوض البحر المتوسط، فها هي المسألة الشرقية تظهر مُجدداً في السنوات الأخيرة وعلى المنطقة العربية بالذات، بكل كياناتها من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي، وخاصةً بعد الاجتياح الاميركي للعراق، ليتقاسمها مجدداً، التحالف الأميركي/ الفارسي المستتر بعناوين مختلفة، ظاهرها العداء للشيطان الأكبر وباطنها الطمع، ومعهما مخططات الحركة الصهيونية في فلسطين، ليتقاسموا النفوذ والهيمنة على الرجل العربي المريض بالفرقة والتناحر، والتي حُوّلت من جراء ذلك، المسألة الشرقية بمفهومها القديم، لإقامة اثنين وعشرين كياناً طائفياً ومذهبياً وقَبلياً في الوطن العربي، يأكل بعضها بعضاً، في لبنان وسوريا والعراق والبحرين واليمن والسودان (والحبل على الجرار)، ليسْهُلَ تقسيمها وتقاسمها بين الجنوح الفارسي الصفوي والطمع الاميركي المتصهين مع الكيان الصهيوني التلمودي.
فها هي إيران بعنصريتها الفارسية، تعبث بأمن معظم البلاد العربية وتعمل على فارسية الخليج، وتحارب بعض العرب بالعرب باسم نصرة “التشيّع” كما هو حاصل في الأهواز والعراق وسوريا ولبنان والبحرين… بهدف إقامة جمهورية ولاية الفقيه الأصولية الفارسية، وها هو العدو الصهيوني يحتل فلسطين وما حولها، وها هي أميركا العظمى المتصهينة تعطي لإيران الفارسية في العراق والخليج العربي من النفوذ والأراضي والجُزر العربية ما لا تملكه أو تملك التصرف به، لنشر مشروعها في كل الكيانات العربية الخائفة من الجنوح الفارسي ومن الحركة الصهيونية ومخططاتها وعدوانيتها.
وبهذا المعنى فإن المسألة الشرقية ظهرت مجدداً على الأرض العربية مع بداية هذا القرن، وأضحت وسيلة وورقة تتقاذفها الأطماع الاقليمية والدولية، لمنع العرب من النهوض والاتحاد وبناء تكاملهم، ولو بالحد الأدنى من التضامن لمواجهة التحديات وبناء غدٍ افضلٍ؟ فهل يقرأ حكام العرب مراحل المسألة الشرقية؟ كيف بدأت وتطورت وتغيّرت معانيها وأهدافها؟ لتكون في خدمة التحالف الفارسي/ الأميركي المستتر! والعدوان والاطماع الصهيونية الظاهرة؟
وهل يمكن للعرب أن يتضامنوا ويتكاملوا قولاً وفعلاً؟ وأن تكون المصلحة العربية أوّلاً لديهم، وقبل المصالح الذاتية أو الاقليمية أو الدولية؟ كما هو حالنا في العديد من البلدان العربية؟ وهل يمكن للإنسان العربي أن يتنقل بين البلاد العربية بحريةٍ وكرامة ويستثمر فيها، ويشعر بأنه ينتمي لأرض عربية واحدة تسقط فيها وعنها كل المعوقات التي صُنعت بخبثٍ ومكرٍ لمنع تكامل العرب واتحادهم ليكونوا أهلاً لحمل رسالة الايمان في الأرض التي كانت ملتقى كل الأنبياء والرسل والكتب السماوية التي أنزلها الله لتكريم الانسان في كل مكان.
إن واجبنا أن نذكّر، لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، والمخلصين والصادقين والأوفياء على هذه الأرض الطيبة، وعلى أولياء الامور وأصحاب القرار أن يتّعظوا من الماضي ويقرأوا بإمعانٍ تاريخ بلادهم وأمتهم وهذه المنطقة بعين البصر والبصيرة، ليبنوا دولة وثقافة المواطنة، والولاء للعقيدة والارض والوجود، وليكونوا كما أرادهم الله، خير أمة اخرجت للناس.
() الأمين العام للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى