#adsense

فيليب كلوديل لـ”النهار”: فقدتُ الرغبة في كتابة الروايات وأشعر أني يتيم الكلمة

حجم الخط

كتبت رلى راشد في صحيفة “النهار”:

ليست تجربة الكاتب والمخرج الفرنسي عضو “أكاديمية غونكور”، فيليب كلوديل أفقيّة، ذلك انها توزّعت في اتجاهات تأليفية عدة، بحثاً وروايةً ومسرحاً وقصةً قصيرة، واعتنقت البعد البصريّ من طريق الإخراج السينمائي أيضا. يتبدّى كلوديل الفائز بجائزة “رونودو” عن روايته “الأرواح الرماديّة” وسواها من التكريمات الأدبيّة، متواضعا إزاء نصه. ها إنه في مقابلة مع “النهار” على هامش “معرض بيروت الفرنكوفوني”، ينصرف الى فكّ خيط المسار التأليفي، ويستعيد تعثّره الإبتكاري في الآونة الأخيرة، في أعقاب وفاة شريك المغامرة الأدبية، الصديق والناشر جان مارك روبرتس.

– يتخذ كتابُك “عطور” هيئة قاموس أبجدي لعالم الشذا، موزّع في نصوص عدة: الثوم والخضر وحشيشة الكيف والشجر وسواها. مثل حلوى مادلين بروست، تحيي الروائح وجوه الطفولة، وجه جدّتك وشقيقتي جدتك ووالدك. نقرأ في نص “زمانان” “ان ذكرى دراجة نارية من طراز “جيتان تستي”، أكبر من الواقع… مثل الحياة”. هل “عطور” ذريعتك لوصف المواجهة بين الذكريات والواقع؟

– إنه كذلك في معنى ما. المذهل في العطور والروائح، انها قادرة على التلاعب بالوقت. عندما يتنشّق المرء بعض العطور التي أتحدّث عنها، تجري في اللحظة الحاضرة استعادة لحظة من الماضي كأن ثمة كولاجاً زمنياً، كأن عقدين باتا هباء، لأن ثمة اندماجا يحصل بين اللحظتين. أنتِ الآن هنا، وأنتِ كما كُنتِ قبل عشرين عاما او أربعين عاما، على السواء. ليست العطور آلة للعودة في الزمن فحسب وإنما لمحو الزمن أيضا.

– تستبقي في مطلع “عطور” قصيدة بودلير “نصف كُرة في خصلة شعر”. يحضر الشاعر في نص “السَفَر” أيضا كإلماح الى قصيدته الأخرى “دعوة الى السفر”. في هذه القصيدة، يكتب بودلير “بنيّتي، شقيقتي، تأمّلي حلاوة الذهاب الى هناك لنعيش معا! نحبّ كما يحلو لنا، نحبّ ونموت في بلاد تشبهك”. إذا اقترضنا الصيغة عينها، فأي بلاد تشبه فيليب كلوديل؟

– الجواب بسيط انه مسقطي حيث أقيم راهنا. ولدتُ في بلدة دومبال سور مورت الصغيرة، في شرق فرنسا، وأستدعيها مرات عدة في “عطور”. تشبهني هذه المنطقة كثيرا، حيث مواسم الصيف حارة جدا ومواسم الشتاء قارصة، أما الخريف فيأتي بألوان مذهلة في حين يتفجّر الربيع دفئا وعطورا مختلفة. أنا مشبع بهذه الجغرافيا وأشعر بتناغم كامل معها وإن راقني اكتشاف جميع بلدان العالم. تربطني صلة خاصة بالمناطق الجبلية، أحبّ المرتفعات. أذكر قبل أعوام عدة ان الكاتب اللبناني فادي اسطفان اصطحبني الى منطقة الشوف في لبنان بسيارته. كان يومذاك ماطرا قليلا ففاحت روائح خاصة، كانت لحظة جميلة فعلا.

– هل تحتفظ بطقس شخصي كتبت عنه ويجعلك تقصد السوق والكنيسة في كل بلاد تزورها للمرة الأولى؟

– طبعا، كلما تسنّى لي. زرتُ إيرلندا الأسبوع المنصرم ودخلتُ كنائسها وكررتُ الأمر في بولونيا. أقصد السوق أيضا، السوق الحقيقية وليست تلك السياحية. يمكننا في هذا المكان ان ندرك ما تنتجه بلاد معينة وما يستهلكه ناسها من مأكولات وما يحتاجونه، ناهيك بأننا نتنشّق هناك شذا خاصا.

– تتصّدر لوحة غوستاف كليمت “أعمار المرأة الثلاثة” غلاف “عطور” وتستعيدها في نص “الطفل النائم” في جوار إبنتك مشيرا الى “رَسم لحظة من الحميمية اليومية”. هل تشهر الجانب البصري في كل لحظة معيشة، وأنتَ مخرج سينمائي لأفلام عدة من بينها “أحبّك منذ زمن” و”كل الشموس”؟

– لطالما أثّرت فيَّ الصورة الفوتوغرافية ورافقتني الى جانب اللوحات والأفلام، حالها حال جميع الفنون البصرية ذلك انها فنون مباشرة. عندما ينظر المرء الى لوحة أو صورة فوتوغرافية لا يحتاج الى نقلها إلى لغة أخرى لإدراكها، في حين تحتاج الرواية الى الترجمة، لتصل الى قرّاء لا يتحدّثون اللغة التي كُتبت بها. تتحرّر الصورة أو اللوحة من عائق اللغة ومن عائق التقدّم الكرونولوجي أيضا. يشكّل مرور الزمن الشرط للإيغال في أحد الكتب وقلب صفحاته، في حين يقف المرء أمام اللوحة ليكتشفها في كلّيتها، في اللحظة عينها. بعدذاك في وسعه الإيغال في تفاصيلها، طبعا. قصدتُ قبل شهر البرازيل حيث زرتُ معرضا ضخما للمصور الرائع سيباستياو سالغادو، “تكوين”. كانت لحظة رائعة. عُدت الى المعرض عينه وهذه المرة في باريس، فتبدّت لحظة تأمّل صور سالغادو في كل قدرتها المنبسطة أمامي، تجربة مذهلة. لم أحتج الى التحدّث بلغة المصور البرازيلي لأصل الى عالمه. ثمة قدرة في التشكيل والتصوير الفوتوغرافي تفوق قدرة الأدب.

– لست غريبا عن المسرح أيضا.

– صحيح، أهتم بالمسرح. كتبتُ نصين مسرحيين مختلفين جدا، أحدهما كوميدي من نوع فودفيل (“حَدّثني عن الحب”) أما الثاني (“الطَرد” من إخراج كلوديل أيضا) فمناخه خاص، تعاونت فيه مع الممثل جيرار جونيو. من الغريب فعلا أن تذكري المسرح، ذلك اني بدأت أمس فحسب، على متن الطائرة التي حملتني الى بيروت، كتابة نص مسرحي يطاردني منذ عام، وكنتُ حاولت من دون جدوى أن أضعه على الورق.

– هل تكتب على متن الطائرة غالبا؟ هل يرتبط ذلك بالإحساس باللاجاذبية أو بالإنفصال عن نقاط الإرتكاز؟

– أكتب كثيرا في الطائرة بحكم سفري المتواصل. ان تجربة الكتابة “في الجوّ” خاصة جدا، ذلك اننا نكون بعيدين من اليابسة. عندما أستقلّ الطائرة في رحلة طويلة تستمر عشر ساعات او اثنتي عشرة ساعة، يكون المناخ هادئا، فلا أشكو من الإزعاج أو من رنين الهاتف.

– تكتُب في “عطور” “أعلم ان للموت رائحة سائل الأثير”، بينما تهدي كتابك “جان بارك” إلى صديقك وناشرك المتوفّى جان مارك روبرتس. بدأت النص بعد موته وانما قبل طقس الموت، أي الجنازة. فماذا عن كتابة الغياب قبل اكتماله؟ هل تصير المرثيّة حوارا، لأنها تحوم حول تفاصيل تخصّ الراحل ولا تزال موجودة، عوضا من استدعاء الحنين؟

– قبل وفاته عانى جان مارك المرض لعام ونصف العام، ومع مرّ الشهور اتضح ويا للأسف، انه لن ينجو. علمنا ان النهاية ستكون فتّاكة ووشيكة، وإن حاول هو التغاضي عن ذلك. عندما علمتُ بمرضه، صرتُ عاجزا عن الكتابة. لأني تيقّنت أني أكتب خصوصا له، مترقّبا نظرته وملاحظاته. عندما أعلموني برحيله عبر الهاتف، استعدتُ القدرة على الكتابة وإنما من أجله. أردتُ ان أخاطبه كتابيّا، لهذا السبب يتوجّه كتاب “جان بارك” إليه، كأنه هنا. أحدّثه، وأحاول مواصلة حواراتنا الهاتفية الثنائية. أشعر راهنا إني في حال يُتم كلامية. ثمة شخصان أتحدّث إليهما كثيرا، هما زوجتي وجان مارك، أتكلم مع كل منهما في مسائل محددة. الآن رحل جان مارك. أنا في حال تَرَمّل كلامي. من خلال الكِتاب قمت بجردة لكل ما جمعنا من أحاديث، لأدرك أهميته لي. أنهيتُ الكتاب الآن وهو غادر. صرتُ وحيدا. فقدتُ الرغبة في الكتابة. أحاول التأليف يوميا لأني استمتع بإمرار أصابعي على لوحة المفاتيح، لكني لم أعد متحمّسا لإنجاز الروايات. أبدأ نصوصا لا أنهيها. ربما أستعيد الرغبة في الكتابة مع انقضاء الوقت.

– تقارب مسارك التأليفي كحلقة. كتبتَ مُبكرا الحكايات والأساطير ثم القصص القصيرة والروايات لتعود الى الخرافة مع “التحقيق” حيث لا تلبث الحكاية الواقعية تستدعي الفانتازيا والميتافيزيقيا. نقرأ في “جان بارك”: “نلدُ. نموت. نحن كل شيء خلال بعض الأعوام. نحن لا شيء خلال آلاف السنين”. هل السؤال الميتافيزيقي ضروري في الأدب؟

– أظنه ضروريا في الحياة. ليست الكتب سوى جزء من الحياة. الكتب مهمة لكنها ليست أهم ما في الحياة. الحياة هي الأحياء. أنا وأنتِ والناس الذين نقابلهم وأولئك الذين نحبّهم. يجب ان ندرك أننا لا شيء، وأننا لن نعيش طويلا. آمل أن يدفع بنا هذا الوعي الى مزيد من الإنفتاح على الآخرين، وأن تجعلنا المعرفة بأننا لن نمكث طويلا على هذه الأرض، نقدّر اللحظات المعيشة أكثر. لحظات الى جوار الآخرين وفي خدمتهم، ولحظات الإصغاء والحبّ أيضا. كلما تأمّلت الطاقة المهدورة ونحن نتقاتل، لا أعني القتال الحربي فحسب، وإنما القتال اليومي أيضا مع الآخرين والإستسلام الى الأفكار والمشاعر السلبية، زاد تصميمي على المحافظة على طاقتي للأمور الإيجابية. قبل خمسة أعوام أغضبتني أمور معينة، أما اليوم فبتّ أظنها غير مستحقة. في وسع المرء أن يصير حكيما بعض الشيء (يضحك). لم تكن هذه حالي قبلذاك. إنها فضيلة التقدّم في السنّ ربما.

المصدر:
النهار

خبر عاجل