جمهورية الاستقلال من دون استقلال وجمهوريتها مخروقة أمنياً وسيادياً، وحده رئيسها يسعى الى انعتاقها من البوتقة السورية الضيقة. في خطابه، يشير الرئيس الى المعوقات التي تعوق بلوغ لبنان استقلاله، فكيف لبلد أن يعيش الاستقلال أي الحرية والديموقراطية من دون تداول انتظامي للسلطة؟ من هنا يرفض سليمان التمديد لولايته، ويبرر ذلك انطلاقاً من إيمانه بضرورة تطبيق النظام العام المنصوص عنه في الدستور وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
يتحدث رئيس الجمهورية عن النظام والخير العام ويربطهما بمصير لبنان واستقلاله وقدرته على إدارة شؤونه. وقد أمضى سليمان سنوات طويلة يعمل للصالح العام كونه كان قائداً للجيش وقد قاد حرباً ضدّ الإرهاب مدافعاً عن استقلال لبنان. بخطاب واحد يقدر سليمان أن يكسر كل الخطوط الحمر، وهو برهن غير مرة أنه مستقلّ عن واضعي الخطوط الحمر ولا يقبل إملاءات ممن قادوا وطنهم الى الخراب وباعوا أبناء طائفتهم بثلاثين من الفضة.
ويحدد سليمان مفهوم دولة الاستقلال التي “لا تقوم بالاستقلال عن منطق الدولة، وبتخطي الحدود والانخراط في نزاع مسلح على أرض دولة شقيقة”، علّ المنغمسين في النزاع في سوريا يعون خطورة المرحلة في لبنان، فتستيقظ الضمائر النائمة والمستكينة. وقد تجسّد كلام سليمان حول الطائفية في حصار طلاب من “حزب الله” لجامعة القديس يوسف في بيروت، مؤكداً في كل مرة أنه سيبقى كلام العقل لكل من شذّ عن الوطنية ولكل من “شرد” عن خدمة الدولة اللبنانية.
في خطابه، يحاكي الرئيس سليمان السياسيين والشعب اللبناني، مقارناً بين الواقع المعاش وفقرات الدستور اللبناني التي إذا ما طبّقها السياسيون ستكون كفيلة بأن ينعم اللبنانيون بحياة هانئة بحماية القوات المسلّحة وحدها. ويظهر سليمان من خلال خطابه بأنه يجري “جردة” على ما قام به من محاولات لإعادة التواصل بين اللبنانيين من خلال إعلان بعبدا الذي وقّعت عليه كل القوى السياسية ونكث به “حزب الله”. بالنسبة الى سليمان، المصرّ على عدم التمديد لنفسه، فإنه سيترك رئاسة الجمهورية مرتاح الضمير تجاه اللبنانيين، تماماً كما كان صافي الذهن حين انتصر في “نهر البارد” وحين حمى ثورة الأرز في 14 آذار 2005.
لا شيء قادر على وضع حدّ لرئيس الجمهورية، لا التهديد بإطلاق الصواريخ على بعبدا كما حدث في الليلة ذاتها التي ألقى فيها خطابه في عيد الجيش، ولا رسم الخطوط الحمر. لا بل إنه، من موقعه كرئيس للجمهورية وحكمٍ بين كل الأفرقاء اللبنانيين بما أجازه له الدستور، أراد أن يرسم الخطوط الحمر على طول حدود لبنان لإغلاقه وحماية أهله، لكن التآمر على الوطن من بعض أبناء الوطن أنفسهم كان بمثابة الطعن بالوطنية وبالقوانين والدستور مرة جديدة بعد استخدام السلاح غير الشرعي في الداخل.
ما أراد رئيس الجمهورية قوله في معاني الاستقلال وأبعاده هو أنه أمضى 6 سنوات في الحكم يختبر نية وإرادة كل الأفرقاء، من دون أن ينحاز الى أي منهم. لكنّه بعد أشهر سيغادر كرسي الرئاسة من دون أن يتمكّن من تبديل موقف الفريق الذي يريد للبنان أن يكون مرتهناً للمحور السوري – الإيراني، والذي حوّل لقب “الشيطان الأكبر” الى الداخل. الذنب في ذلك لا يتحمّله رئيس الجمهورية، فهو سيبقى حتى اليوم الأخير من عهده يدعو الى الارتداد عن القتل والدمار، وبذل التضحيات من أجل لبنان.. لكن هل من المجدي وضع كل الأطراف أمام مسؤولياتها بعدما برهن البعض أنه مقتنع بالتضحية بشباب لبنان؟
خطاب الاستقلال الأخير في عهد ميشال سليمان يشكّل خارطة طريق للبنان الدولة المستقلة وإن كان الرئيس مدركاً بأنه يستحيل تطبيقها وسط الوضع المأزوم والمرحلة الخطيرة المحدقة بلبنان. نبت الشعر على الألسنة وهي تردد كلاماً للابتعاد عن الطائفية وحياد لبنان ونزع السلاح وإعلان بعبدا ورفع الغطاء السياسي عن الجيش والضرب بيد من حديد. وإن كان لبنان اليوم جمهورية منقوصة الاستقلال، بعد 6 سنوات من جهود الرئيس المبذولة في سبيل اللبنانيين، فكيف سيكون شكل لبنان في “ذكرى” استقلاله المقبل من دون رئيس؟!.